“حكايات رجال” وحمد الجاسر

صحيفة الحياة

الأربعاء, 7 يوليو 2004

نقولا زيادة

 

حمل إليّ البريد هدية فيها كتاب اسمه “حكايات رجال” مكتبة العبيكان، وهو أمر يكفي ليثير الرغبة في القراءة، وفيها رسالة لطيفة من مؤلف الكتاب زياد بن عبدالله الدريس رئيس تحرير مجلة “المعرفة” التي تصدرها وزارة المعارف السعودية في الرياض.

والحكاية عن الرجل كانت أم عن المرأة، وجِنّاً حكت عنه أو إنساً تباسطت فيها أموره، أمر أحب قراءته. يعود ذلك الى أيام كنت في العاشرة من عمري. كنا نقطن جنين ولم يكن فيها مدرسة. وأنا عطش للقراءة. تفضل علي شيخ جليل فأعارني ألف ليلة وليلة، وقصة الملك سيف بن ذي يَزَن وتغريبة بني هلال وقصة عنتر. ألا يكفي لمثل هذه ان تورثني رغبة في قراءة الحكاية؟

إلا انني في قراءتي لمثل هذا الكتاب لا أتبع الفهرس. أمرّ على الفهرس وأتخيّر أسماء أبدأ بها، اما لأن لي بها معرفة سابقة – ومن يعيش سبعة وتسعين عاماً لا بد من أن تكون الأسماء التي يعرفها كثيرة. فوقع عنوان “المربي الأموي”. أنا مولود في دمشق، عاصمة الأمويين، فهواي – أو بعضه على الأقل – أموي. فإذا بالفصل عن علي الطنطاوي وهو عالم فاضل ينهج نهج علماء السلف لكنه يعرف انه يعيش في القرن العشرين. اسم الطنطاوي لم يكن غريباً علي، ومما أذكره ان ابني باسم، الذي له علاقات مصالح مع جماعة من المملكة العربية السعودية، سألني عنه لأن اسمه تكرر أمامه. لبيت الطلب ورويت له ان هذا الرجل ولو ان اسمه طنطاوي اي مصري من طنطا هو دمشقي ومن أسرة علم معروفة. وقد دعي ليدرّس في السعودية في زمن مبكر من شبابه، فأعجب بالعمل هناك، وقضى البقية الطويلة من عمره هناك مدرساً محدثاً في الجوامع خطيباً في مجتمعات اللغة والفكر كاتباً في المجلات هناك. وإذا لم تخني الذاكرة يا ابني باسم فلعلي قرأت له مقالات في مجلة المجمع العلمي العربي الدمشقي في عشرينات القرن الماضي.

زار زياد الدريس الشيخ علي الطنطاوي بجدّة، لأنه أراد أن يكتب عنه لمجلة “المعرفة” والطنطاوي كان معروفاً على نحو خاص بكتب ثلاثة هي: “نور وهداية” و”على مائدة الإفطار” و”مسائل ومشكلات”.

الزيارة صحافية، والحديث حديث صحافة، لكن قلم زياد الدريس جعل المقابلة حية، حتى لتحسب انك مشارك فيها. ويختم الحديث بقوله: ها نحن ننقل رغبة الشيخ علي الطنطاوي الى جميع العارفين”. علي الطنطاوي يدعوكم ان تزوروه في منزله بعد أن كان يزوركم في منازلكم ويرغب أن تتحدثوا اليه عن أي شيء.

“علي الطنطاوي يسكن في دورٍ مستأجر في حي الفيصلية بمدينة جدة، ينتظر زيارتكم، فما أنتم فاعلون؟”.

وكان من الأسماء التي وقعت عيني عليها وكنت قد تعرفت الى صاحبها في وقت مبكر في حياته هو عبدالعزيز خويطر. سنة 1971 دعتني كلية البترول في الظهران قبل أن تصبح جامعة لإلقاء محاضرات على طلابها، وكانت الزيارة الأولى للمملكة. كنت قد تعرفت على عبدالعزيز خويطر من قبل. كان يومها رئيساً بالوكالة لجامعة الرياض. كتبت اليه انني أرغب في زيارة الرياض، وكانت الزيارات يومها بحاجة الى راع. فكتب الي انني سأجد في الظهران رسالة دعوة من جامعة الرياض لإلقاء محاضرات فيها وستكون رسمياً ضيفها.

بعد أن فرغت من القاء المحاضرات في الظهران مع حشدي زيارة للاحساء واخرى الى الجبيل – ذهبت الى الرياض الى مكتب خويطر، لقيته وبعد التحيات أعطاني البرنامج – محاضرتان عامتان للطلاب واجتماعان مع طلاب التخصص، وكم سررت انني قد أكون ذا فائدة وليس مجرد زائر.

كانت بيننا أحاديث طويلة، منفردين في مكتبه ومع آخرين في مناسبات أخرى. عرفت يومها عبدالعزيز خويطر رجل المسؤولية وفي معهد في دور الانشاء. البرامج – الأقسام – الكليات. أهم من هذا الغاية من انشاء الجامعة. كان خويطر قد درس في بلاد الانكليز وكان هناك يولي المؤسسة التي درس فيها اهتمامه من حيث تنظيمها وعملها وأهم من كل شيء استقلالها. كان الشاب طموحاً على درجة تصيبك بالعدوى. كانت احاديثي معه منعشة، وهي تأتي من أرض البداوة.

وبعد عودتي الى بيروت دامت المراسلات بيننا ولو متقطعة، لكن الخويطر الذي كان يأمل في ان يعطى الفرصة لبناء هذا الصرح، وجد نفسه وزيراً للمعارف وشغل المنصب عشرين سنة. كان مثال الهمة القعساء المنظمة والمستقبلية. وقد نجح في امور كثيرة. عدد بعضها زياد الدريس في مقابلته له.

لقاء الجاسر

شخصية ثالثة في الكتاب عرفتها أيضاً. هو حمد الجاسر.

أقام حمد الجاسر في ضواحي بيروت سنوات وقد أتيح لي أن أتعرف اليه عبر الصديق إحسان عباس. ثم زرته مرات لأعبئ جرتي من علمه الغزير. فهو علاّمة الجزيرة العربية جغرافية وتاريخاً وأدباً ووصفاً. انكب على الكتب القديمة التي زودتنا بأنواع المعرفة هذه فنشرها نشراً علمياً واضحاً. له في ذلك نحو عشرة مجلدات. كتب العشرات من المقالات حول هذه المواضيع، هذا عدا انه أول من أنشأ مجلة في المملكة وأول من أدخل مطبعة اليها!

حمد الجاسر كان عِلماً وعَلَماً. فمن أراد الأول أرشده الثاني اليه.

عاد حمد الجاسر الى الرياض، ومع انني زرت الرياض مرة لم يتح لي أن أزوره. سنة 2002 كنت في الرياض في حضور مؤتمر. رجوت أحد الأصدقاء ان يأخذني لزيارة حمد الجاسر. ذهبت اليه صبيحة يوم خميس، وهو يوم لقائه العارفين والراغبين في المعرفة. دخل يتكئ على رجلين، وصل المقعد المخصص له، وطلب مني ان اجلس الى يمينه. حمد الجاسر المتكئ على رجلين كأن شيئاً خلفه وراءه لما جلس على المقعد ليتحدث. وأثناء الحديث مال إليّ وسألني “كم سنّك؟”. قلت: “أربع وتسعون!”. قال: “أنا أكبر منك. فسني خمس وتسعون”. قلت له: “يا سيدي سنواتك هجرية” قال بلهجة الأمر المحببة “اسكت”.

كانت الملحقية الثقافية في سفارة المملكة العربية في دمشق قد نظمت حفلة تكريم للرجل، ودُعيت للمشاركة، لكن قبل أن يتم ذلك انتقل الى رحمة الله. فجعلتها المفوضية الثقافية، بعد وقت قصير، حفلة ذكرى. كانت جيدة. تكلم ستة بينهم ممن أعرفهم جيداً د. ناصر الدين الأسد ود. جورج جبور.

لما انتهت الحفلة وجدت بناته الثلاث مع زوج الكبرى منهن. حييت وتحدثت قليلاً. فأوقفتني الكبرى وقالت: “دكتور زيادة بيت حمد الجاسر بعد مفتوح إذا جئت الرياض!”. خرجت دمعة شكر، ولكنني لم أستطع الكلام.

الآن يأتي الوقت لإنهاء هذا الحديث. لكن ذلك يرافقه اعتراض: تحدثت عن علاقتك انت بهؤلاء الناس، لكن لم تحدثنا عن الكتاب! صحيح لكن أنا عندما أتحدث عن كتاب لا أذكر عدد صفحاته وفصوله ومحتويات أقسامه. أشير اليه وأوضح النقاط الأصلية التي تحدث عنها.

هذا الكتاب فيه عدد من الأحاديث عن 32 من الرجال. ثلاثة أضفت شيئاً جديداً عنهم. وهناك نحو العشرين ممن عرفتهم ويمكن أن أضيف شيئاً آخر عنهم.

1 thought on ““حكايات رجال” وحمد الجاسر”

التعليقات مغلقة.