مندوب المملكة في “اليونسكو” لا يجيد السياسة ويمارس اللعب بالنار… وولد وفي فمه “شوكة” من ذهب! . زياد الدريس لـ “الحياة” : انتصرت “شياطيني” على “ملائكة” القراء فنجحت !

صحيفة الحياة

الثلاثاء, 04 ديسيمبر 2007

خالد الباتلي

 

أصعب شيء أن تبدأ مشوارك من القمة، حينها لن تستمتع بالصعود كثيراً، ستظل في تحد في أن تحافظ على القمة التي تسكنها… زياد الدريس جاء إلى الدنيا ووجد كل القمم حواليه، أبوه علم في الأدب والمكانة، وأخوه فارس في الصحافة، وأصدقاء ومعارف هنا وهناك، يسكن كل منهم قمته… ولأنه مع القمم فقد استقى من كل قمة أجمل مزنها وصنع لنفسه قمة تليق به.

حياته كلها تحد، وهو يعشق الصعاب دائماً… له خلطة سرية لا يصل لشفرتها أي احد… بل إن حمضه النووي يكاد يكون الأشهر بين الأحماض كلها… يحمل المفاجآت في حله وترحاله… ترك بصمة هنا وصفعة هناك، وزرع وردة هنا وحصد أشواكاً هناك… شخصية لا تملك إلا أن تحترمها وفي الوقت نفسه لا تملك إلا أن تختلف معها. تسكنه تفاصيل مجنونة وفوضى تثير كل الجدل وتقوده إلى دقة تتنافس مقاييس الجاذبية بأنواعها على الفوز بها.

في «اليمامة» ولد كاتباً وفي «المعرفة» مارس الصحافة النخبوية، ومن خلالهما اختط طريقاً للصحافة المتخصصة، ليكون عرابها الأول هنا… وها هو الآن يحط رحاله في باريس، ليقود الوفد السعودي هناك في اليونسكو، ولم يكمل سنة في عمله حتى بدأ الحصاد الدولي للانجازات السعودية هناك.

من مسقط رأسه «حرمة» اخذ التعايش، ومن الرياض استقى الالتزام، وفي بيروت تنفس الحرية، وفي بريدة تداوت قدمه، ومن ماليزيا عرف التسامح، وفي موسكو أصبح سوسيولوجياً وفي باريس تحمل المسؤولية… الحوار مع الدكتور زياد الدريس يكاد يكون أندر من الكبريت الأحمر… لكن لأنها «الحياة» أبى إلا أن يمنحها بعضاً من وقته لنقف معاً على شرفات طالما انتظرنا أن يطل علينا منها.

> محطة «اليونسكو».. هل كانت مفاجأة في طريقك العملي؟

– نعم، كانت مفاجأة مخيفة في البداية، ثم تحولت إلى مفاجأة سارة عندما اقتحمت بحار المنظمة، وآمل بأن أخرج منها وأعود إلى بلدي في الوقت المناسب، قبل أن تتحول عليّ إلى مفاجأة ضارة!

> مجالات منظمة اليونسكو تتطابق تماماً مع تخصصك واهتماماتك: تربية – ثقافة – علوم – إعلام، هل هي مصادفة، أم حسن اختيار؟

– من منطلق التواضع، أفضّل أن أقول إنها مصادفة. لكن لا تنس.. تنقصني السياسة، وقد تسيّست اليونسكو أخيراً بالذات!

العاجي والداجي و…أنا

> في تجربتك الإعلامية… هل في البدء كانت الكتابة أم الصحافة؟

– بدأت الكتابة قبل 25 عاماً بالضبط، في مجلة «اليمامة». وبدأت الصحافة قبل 15 عاماً، واحترافياً عبر مطبوعة ثابتة مجلة «المعرفة» قبل عشر سنوات فقط. وبالتالي يمكنك أن تعرف هل في البدء كانت الكتابة أم الصحافة عندي!

وحتى تجربتي في مجلة «المعرفة» كانت تجربة كتابية أكثر مما هي تجربة صحافية بالمفهوم الاحترافي للصحافة اليومية. فمجلة «المعرفة» كانت مجلة شهرية أولاً، وثانياً كانت مجلة نخبوية تعنى بالملفات والقضايا الشمولية، أكثر من اهتمامها بالخبر والتغطية والتحليل، وهذا هو ما ألبسها لبوس المطبوعة النخبوية.. سواء شاء بعض قرائها أم أبى بعضهم الآخر!

وقد كنت أتصدى بقوة لمحاولات تصحيف أو صحففة «المعرفة»، وإنزالها من برجها «العاجي» إلى برجها «الداجي»، كما يريد لها بعض القراء الذين لم يتمكنوا من الصعود إليها.

> عشر سنوات في مجلة «المعرفة».. هل حققت فيها كل ما تريد؟

– عندما وافقت على رئاسة تحرير «المعرفة» عام 1417هـ – 1996 كان ذلك تحدياً أمام نفسي قبل أن يكون أمام القراء، فهم لم يعهدوني ولم أعهد نفسي محرراً في أية صحيفة من قبل، ثم فجأة أصبح رئيساً للتحرير!

خضت التجربة وأنا لم أكن أعرف بعد مصطلحات أساسية للعمل الصحافي اليومي مثل: الديسك والبلوبرنت واللاي آوت والاشتراك والتوزيع والرجيع.. والقهوة التركية والتدخين والشتائم (لحسن الحظ الثلاث الأخيرة من دليل Manual العمل الصحافي لم أتعلمها حتى الآن!).

أعترف أني حتى الآن ما زلت أجهل بعض آليات العمل الصحافي اليومي بالذات، لكني أفتخر بأني شاركت مع زملائي في صنع مطبوعة شهد لها كثيرون على مدى عشر سنوات بالنجاح والتميز.

المعرفة والحرية الخطرة

> هل توافق على أن هامش الحرية الذي أعطي لـ »المعرفة» هو أحد أهم أسباب نجاحها حينذاك؟

– أوافق تماماً، لكني أتحفظ على أن مساحة الحرية تلك قد وُهبت لنا، ولماذا لم توهب لغيرنا؟ نحن أخذناها بأيدينا، وبوعينا بالتوازنات والحسابات التي يجب أن نفطن إليها، وإلا فسنقع في شر أعمالنا ونتمنى لو عدنا إلى مبدأ السلامة التي يزاولها كثير من رؤساء التحرير، قناعة منهم بأن بقاءهم على رأس مطبوعة فاترة مدة أطول خير من بقائهم على رأس مطبوعة ساخنة مدة أقصر! «للأسف» كنت وما زلت مؤمناً بالشطر الثاني من المعادلة.

استطاعت «المعرفة» عامي 1417هـ و1418هـ أن تغير الصورة النمطية الجامدة للمطبوعات الحكومية، وأن تكسر الهيبة المصطنعة لكبار المسؤولين والوزراء، وأن تتحاور معهم حواراً صريحاً غير معهود في الصحافة السعودية، مثل حوارنا مع وكيل وزارة المعارف سابقاً الأمير خالد بن فهد بن خالد، وحوارنا مع وزير التربية والتعليم آنذاك الدكتور محمد بن أحمد الرشيد، الذي ما كان لنا أن نتجاوز حدود الحرية الصحافية المألوفة لولا فتحه الأبواب لنا للتجريب.

وكم كانت من الحكايات والهواتف المثيرة والقصص، المؤلمة والمضحكة، بسبب ذلك التجريب، لكنها انتهت كلها على خير وزالت أعراضها الآن، لكن ملفات أعداد «المعرفة» تلك ما زالت في الرفوف وفي الأذهان محفوظة. ولا أنسى الاتصال الهاتفي من رئيس تحرير صحيفة «البلاد» حينها الأستاذ قينان الغامدي يستأذن في نشر حوار «المعرفة» مع الدكتور محمد الرشيد، بوصفه حواراً مغايراً للسائد. وسعدت بالطبع بذلك الطلب، ونشر الحوار بالفعل على صفحة كاملة من الصحيفة.

ثم انتقل قينان الغامدي رئيساً لتحرير صحيفة الوطن السعودية في أول إنشائها، واستلمت حينها صحيفة «الوطن» راية الحرية الجديدة في الصحافة السعودية. ثم انتقلت الراية بعد ذلك إلى ملحق «الرسالة» تحت إشراف الدكتور عبدالعزيز قاسم آنذاك. (والراية هنا ليست واحدة فقط، بل توجد منها نسخ كثيرة لمن يريد أن يستلم واحدة أخرى!).

> في تجربتك مع مجلة «المعرفة»… هل انتصرت شياطينك على ملائكتك؟

– انتصرت شياطيني على ملائكة القراء.. وانتصرت شياطين القراء على ملائكتي، هذا في حال الأعداد الساخنة والمثيرة، أما في حال الأعداد الهادئة والساكنة من المجلة فقد حدث العكس .. والحمد لله!

> هامش الحرية، كيف يستفيد منه الكاتب من دون أن يسقط في فخ الرقابة، من واقع تجربتك الكتابية؟

– لحسن حظي أن المطبوعات التي كتبت فيها بصفة رسمية ثابتة كان لديها هامش حرية كافٍ لحماية كتاّبها، بل ولإعطائهم مساحة رحبة يجربون فيها اللعب بالنار (نار الكلمات)!

بدأت عام 1402هـ (1982) في مجلة «اليمامة» وكان حينها رئيس التحرير الدكتور فهد العرابي الحارثي يكتب مقالاته بصورة تجعل الرقيب يردد دوماً: «إذا كان ربّ البيت بالدف ضارباً… إلخ البيت الراقص! وانقطعت عن الكتابة المنتظمة ثم عدت بالكتابة في صحيفة «الوطن»، وقد تحدثت عنها وعن عرّابها قينان قبل قليل، ثم انقطعت مرة أخرى – ولا أظنها الأخيرة! – حتى عدت قبل أشهر قليلة من خلال صفحة الرأي في صحيفة «الحياة» (ولن أمدحها ما دمت في ربوعها الآن، فمنذ بدأت لم تشطب من مقالاتي سوى كلمة واحدة قبل ستة أسابيع!!).

وقد كنت دوماً مؤمناً أن الكتّاب والصحافة لديهم مساحة كافية من حرية الرأي والنشر غير مفعّلة. ومردّ ذلك أن بعض الكتّاب ورؤساء التحرير حين يعلم – بقوة إطلاعه، أو قوة أضلاعه! – أن الخط الأحمر على بعد مترين من قلمه، فإنه لا يحرك قلمه سوى مسافة متر واحد فقط، من باب درء المصائب، مع أنه يدرك أنه يستطيع أن يقترب حتى متر ونصف المتر، ومتر وثلاثة أرباع المتر، ومتر وتسعة أعشار المتر، لكنه يطبق مبدأ درء المفاسد خير من جلب المصالح، وهي بالمناسبة في الغالب تكون مصالح أو مفاسد شخصية أكثر مما هي وطنية أو مجتمعية.

عراب الإعلام المتخصص

> الإعلام المتخصص في السعودية… هل أنت عرِّابه؟

– لن أزعم بأنني عرّابه، لكنني سأزعم بكل ثقة – وبشهادة كثيرين كتبوا وقالوا – أن مجلة المعرفة هي عرّاب الإعلام المتخصص في المملكة، ثم انطلقت بعدها التجارب الأخرى من مختلف التخصصات والقطاعات. يجب أن نتذكر هنا للإنصاف أن مؤسسة روناء للإعلام المتخصص كانت شريكاً أساسياً في ذلك النجاح والريادة.

لكنني لا أريد أن ننشغل كثيراً بالحديث عن ريادة وعرابة  «المعرفة» ، أريد أن نتحدث عن مستقبلها والتشارك سوياً، سواء من هم فيها الآن أم من هم معها دوماً – في ضمان استمرار «المعرفة» مميزة وحاضرة بوصفها «صوت الثقافة التربوية في العالم العربي» كما وضعناه شعاراً وهدفاً لها يوم إعادة إصدارها قبل 11 عاماً.

خصوصاً أنها ستحتفل العام المقبل بإذن الله بمرور 50 عاماً منذ تأسيسها على يد الملك الراحل فهد بن عبدالعزيز – يرحمه الله –

> بعد هذه الرحلة مع الصحافة والكتابة، هل تسمي نفسك صحافياً أم كاتباً؟

– أولاً: أنا ما زلت شاباً – أو أعدّ نفسي كذلك -، وتجربتي في الصحافة والكتابة أقصر من أن تسمى «رحلة»، يمكن أن تسميها «كشته» إن كان لابد من التسمية!

ثانياً: لا يحق لي أن أسمي نفسي شيئاً، لكني أتمنى أن أتسمى عند الناس لاحقاً كاتباً.. لا صحافياً.

الكتابة الساخرة

> أنت مصنف ضمن «الكتّاب الساخرين»، هل الكتابة الساخرة موهبة تتأتى للكاتب، أم هي صنعة يستحضرها الكاتب عند بدء الكتابة؟

– السخرية موهبة، لكنها ليست كافية وحدها لإنتاج كتابة ساخرة، إذ لابد لهذه الموهبة من شيء من الصنعة حتى تحبكها في المكان والعبارة المناسبة. كما أن الصنعة وحدها ليست كافية لصنع كتابة ساخرة، إذ هي تنتج في الغالب كاتباً يجتهد في أن يكون كاتباً ساخراً فيفاجأ بأنه أصبح كاتباً مسخوراً منه!

ولذا تجد الكتّاب الساخرين قلّة في الصحافة العربية، من أمثال: علي سالم – صافيناز كاظم – حمد الماجد – جهاد الخازن (سابقاً، قبل أن يصبح متخصصاً في شؤون المحافظين الجدد) – عبدالعزيز السويد – جعفر عباس – عبدالله بخيت – سمير عطا الله (إذا تبسّط) – مشعل السديري (مدى الحياة) – خالد القشطيني -. هذه الأسماء المعدودة على الأصابع خرجت من بين مئات الأصابع التي تلتوي على القلم كل يوم في الصحافة العربية.

> لكن بعض أصدقائك وقرائك يشعرون بأن جرعة السخرية انخفضت في مقالاتك في صفحة الرأي في صحيفة «الحياة» أخيراً، هل هذا الشعور صحيح أم وهم؟

– بل هو شعور صحيح مئة في المئة، فأنا تخصصت في الآونة الأخيرة في كتابة مقالات ثقيلة دم! وقد شرحت مسوغات هذه المرحلة الكتابية التي يفرضها الموقع الكتابي و»البطانة» المحيطة، في مقالي «لغز كتّاب الرأي» في هذه الصحيفة بتاريخ 26/9 /2007.

> والدك عبدالله بن إدريس أديب وشاعر، وشقيقك إدريس الدريس صحافي وكاتب.. متى أحسست بأنك في لهاث للحاق بهما؟

– لم أحس بذلك أبداً، لأن والدي الفاضل وأخي العزيز – حفظهما الله – كانا دوماً يحملانني معهما منذ دخلت المضمار الذي يركضان فيه، ولذا لم يشعراني يوماً بأني أركض خلفهما، أو أنني في لهاث للحاق بهما، فأنا في معيتهما دوماً، محمولاً على أكف الأب الحاني والأخ الناصح.

> منذ طفولتك وأنت تقضي العطلة الصيفية مع أسرتك في بيروت أو القاهرة أو لندن، ما أتاح لك الفرصة لتحقيق تجربة معرفية منذ وقت باكر. هل تعتقد أنك ولدت وفي فمك معلقة من ذهب؟

– لا ليست ملعقة، لكنها أيضاً ليست سكيناً، أستطيع أن أقول لك إني ولدت وفي فمي «شوكة» من ذهب!

فحظي في هذه الحياة وسط بين الملعقة بمفهومها المانح، والسكين بمفهومها الذابح. أحياناً أشعر بأن الفرص المتاحة أمامي أكبر من حظي المتاح للنجاح فيها، وأحياناً أخرى أشعر بأن حظي في النجاح والتميز أكبر من الفرص التي تتاح لي.

الليبرالية والصحوة والخصام عليّ

> الصحوة الإسلامية كادت تستولي على كل تفاصيلك، لكنك لم تستسلم لها كلياً، ما معادلتك في التعامل معها؟

– نشأت في بيئة منزلية كان يوجد فيها التدين والانفتاح جنباً إلى جنب، ولم نكن حينذاك نرى تناقضاً بين التدين والانفتاح كما يراه المجتمع الآن. أبي كان شاعراً رومانسياً وخريج شريعة في الوقت ذاته، ولذا لم نكن نتأخر عن أداء الصلاة مع الجماعة في المسجد، وبالمثل لم نكن نتردد في قضاء الإجازة الصيفية في بيروت (يوم كانت بيروت بيروت!).

هذه الثنائية المنسجمة التي أورثناها أبي الإمام/ الشاعر، جعلت الصحوة – عندما هبت رياحها – ليست جديدة علينا بالكلية، ولذا لم نشعر تجاهها بصدمة حضارية أو انقلاب ديني. وبالمثل عندما خفت صوت الصحوة واتهم كل أتباعها بالإرهاب، وأصبحت الليبرالية هي ملاذ الخائفين، لم ننتكس على أعقابنا وننسلخ من الدين، لأن الليبرالية أيضاً والانفتاح ونقد الذات وقبول الآخر لم يكن كل ذلك جديداً على بيتنا، ولذا لم يُحدث فينا هذا التحول صدمة أو انقلاباً لا دينياً هذه المرة! ثم أكرمني الله بأن تزوجت «أم غسان»، وهي قصيمية.. لكنها من عنيزة، فتواصلت عندي ثنائية الدين والدنيا معاً! فشكراً لوالدي ووالدتي العظيمين ولأسرتي الكريمة، والشكر لله أولاً وآخراً.

> الكل يعتبرك محسوباً عليه: الإسلاميون والليبراليون، هل هذا ذكاء منك أم غباء منهم؟

– هو ذكاء منك وغباء مني لو أجبتك على هذا السؤال الملغوم!

> لكنك قلت مقولة على صفحات «الحياة» قبل عام مضى اشتهرت في الوسط الثقافي بأنك: «إسلامي الفكر.. ليبرالي التفكير»، فهل أنت إسلامي أم ليبرالي؟!

– قلت هذه العبارة رداً على سؤال تصنيفي مثل سؤالك الآن. ولأني كنت وما زلت أرفض التصنيف القطعي الذي يُبنى على قانون «أنت معي أم ضدي»، فقد أجبت بالقول إني إسلامي الفكر.. وليبرالي التفكير، لأني أؤمن أن الإسلام محتوى فكري، وأن الليبرالية أداة التفكير، وقد بيّنت حينها ما أعنيه بذلك. وإن كان لا بد من أن تصنفني فلتجعلني في حزب الوسط، الذي يؤمن ويأمل بالتوافق بين فصائل المجتمع وأطيافه، وتوافقي معك لا يعني بالضرورة اتفاقي مع كل آرائك وتوجهاتك… مثلما أن اختلافي عنك لا يعني خلافي معك.

> بعد الجامعة اتجهت للمستشفى التخصصي للعمل، ولكنك لم تستمر فيه طويلاً، يشاع أنك تركته بسبب الفتنة وعدم انسجام مشروعك الإسلامي مع البيئة هناك.. ما تعليقك؟

– درءاً للفتنة.. تركت المستشفى التخصصي وجئت إلى باريس!

المسألة بكل تجرد وشفافية، أني كنت سعيداً ببيئة العمل «الراقية» وبطبيعة العمل الذي أزاوله مساعد باحث في أمراض الأطفال الوراثية (الأيضية). لكن طبيعة شخصيتي لم تكن تنسجم مع دوام يومي يبدأ من الثامنة صباحاً حتى السادسة أو السابعة مساءً… مدى الحياة! لم أكن ملزماً أو مضطراً للاستجابة لهذا الانغماس في وظيفة تشغلني عن وظائف حياتية اجتماعية أخرى، خصوصاً عندما بدأ فيروس الكتابة ينهش جسدي بقوة.

> أنت تكره البيروقراطية وتجاهر بكرهها، وألّفت كتاباً كاملاً ساخراً منها، إلا أن من مارس العمل معك وجدك مرتمياً في أحضان البيروقراطية نفسها أحياناً؟

– هل تريدني أن أرتمي في أحضان الموظفين؟! بنزعاتهم وشطحاتهم التي تضر بالعمل أحياناً.

البيروقراطية «أحياناً»، كما قلت في سؤالك، ضرورة لا بد منها لتحسين جودة العمل، وإلاّ تحولت بيئة العمل إلى صالة ألعاب.

البيروقراطية الإدارية الممقوتة هي التي تضع إجراءات ليس من شأنها ضمان جودة العمل، بل ضمان جودة الإجراءات، حتى لو كانت تلك الإجراءات لن تؤدي إلى جودة العمل.

والبيروقراطية المالية المزرية هي التي لا تمنع الموظف «اللص» من السرقة، لكنها تمنع الموظف «المخلص» من العمل خوفاً من أن يتهم بالسرقة!

سن اليأس

> حصلت على الدكتوراه في سن متأخرة، ما الذي دفعك للسعي إليها بعد هذا العمر؟ هل لديك هدف محدد؟

– نعم.. سعيت إلى الدكتوراه لتحقيق هدف محدد، وهو أني في دراستي الجامعية كنت في حقل العلوم. وعندما عرفت أن طريقي العملي قد تحول نحو حقل الثقافة، كان لابد من أن أبحث عن وسيلة فعالة لبناء قاعدة منهجية في المعرفة الثقافية، بعيداً عن القراءات الفردية الحرة. وعندما تعرفت على تخصص «سوسيولوجيا الثقافة»، وهو تخصص حديث وجديد في الأروقة الأكاديمية، بحثت عن المكان المناسب لدراسته، بحثت عن التخصص المناسب وليس البلد المناسب، ولما قيل لي إنه موجود في روسيا وأميركا، لم يكن اسم أميركا مدهشاً لي مثلما كان اسم روسيا، وقلت لم لا أغامر؟.. وفعلت.

أما عن الدكتوراه في سن متأخرة، فأنا بدأت الدراسة في موسكو وعمري 38 عاماً (أي قبل سن اليأس.. من الدراسة بعامين!) لكني انتهيت لسوء الحظ بعد سن اليأس (45 الآن!). أقول هذا وأنا أعجب من الشكوك التي تثار دوماً ضد من يحصلون على الدكتوراه بعد سن الأربعين، وأنهم لم يسعوا إليها إلا لأغراض شخصية، وكأن دكاترة العرب الآخرين ضحوا بأموالهم وأوقاتهم للحصول على الدكتوراه من أجل الآخرين.

نحن أكثر أمة تردد شعارات الدعوة إلى الاستمرار في طلب العلم.. من المهد إلى اللحد، .. ولو في الصين، لكنها تتحول إلى شعارات مثالية عند المحك.

سأضع أنا عنواناً بهذه الإشكالية: عند الرجال في بلادي… الأربعون هي سن اليأس من الدراسة!

> ما الذي تعلمته من تجربتك الدراسية في روسيا؟

– تعلمت أني يجب أن أتعلّم حتى لو كان الوقت متأخراً. وتعلمت أن التنويع المعرفي والثقافي هو كنز تفتحه بيدك، لا بيد الآخرين. وتعلمت أن المغامرة باقتحام تجربة جديدة ومغايرة للسائد والمألوف لذة لا تنتهي بنهاية المغامرة، بل تدوم وتدوم! وتعلمت أن فتح النوافذ المغلقة منذ زمن، قد يجلب بعض الغبار والخشاش المتربص على أطراف النافذة المهجورة، لكنه سيجلب بعد ذلك لغرفتي هواء إضافياً وضوءاً أكثر وجاراً جديداً.

على الصعيد العلمي، تعلمت نمطاً آخر من صناعة الأسئلة وتخليق الرؤى والاتجاهات في مجال الدراسات الإنسانية، خصوصاً في مجال تخصصي.

«سوسيولوجيا الثقافة». تعلمت من بيتريم سوروكين وقوميلوف وآزدرويانتس وفيودروفنا، ما لم أكن لأتعلمه لو لم أغامر بالذهاب إلى موسكو.

تعلمت في موسكو كنه الفلسفة، ما لذّ وطاب.. وما شذّ وعاب فيها، وكنت قبل ذلك، مثل كثير من الشباب السعودي، لا أعرف من الفلسفة سوى اسم «أرسطو» الرنان، وقد كنت أظنه من الأساطير! تعرفت أيضاً على بوشكين وليرمنتوف وجوجول وتشيخوف وتولستوي وغوركي أكثر من أي وقت مضى.

تعرفت في موسكو على جزء يسير مما سبق أن ذكرته من فسيفساء الثقافة الموسكوفية، وهي أكبر وأوسع من أن يحيط بها إنسان في وقت محدد ومتأخر كالذي أتاحته لي الظروف.

> أطفالك.. عاشوا لفترة في روسيا والآن في باريس، هل تشعر بأنهم ضحوا من أجلك أم أنهم كسبوا من ورائك؟

– لا أريد أن أتباكى أمام المسؤولين والقراء وأقول بأني ضحيت بأولادي من أجل كذا وكذا. أستطيع أن أستشف من خلال نقاشاتنا المنزلية عند الحديث عن تجربة موسكو أو تجربة باريس الآن أنهم سعداء بالتجربتين، وسيتلمسون جدواها أكثر في مستقبل الأيام بإذن الله. ووالدتهم بلا شك لها دور أكبر من دوري في استيعاب أولادنا للتجربة – ولا أقول الصدمة – الحضارية المتنوعة, ستصبح تضحية بهم لو أني أُصبت – لا قدر الله – بفيروس التنقل الذي يصيب العاملين في القطاع الديبلوماسي.. أعانهم الله.

الديبلوماسية المؤبدة

> أنت تعيش الآن تجربتك الأولى ديبلوماسياً، ما متطلبات الديبلوماسية؟

– هناك متطلبات كثيرة وصارمة للديبلوماسية، لن أتناولها الآن، بل ربما سأكتب عن التجربة عموماً لاحقاً بإذن الله، ولكني سأعطيك ما يحلو لك من المتطلبات الآن:

– المديح المستمر، وعدم ذم ما يستحق الذم.

– التذوق الاضطراري أحياناً لأطباق الشعوب في حفلات الاستقبال «المؤبدة»!

– إلزامية الضحك على النكت «البايخة» في حفلات الاستقبال!

هذا هو رأيي «غير الديبلوماسي» في الديبلوماسية! أما رأيي الديبلوماسي فكما قلت سأرجئه إلى حين.

لكني أؤكد هنا بأن مما سيسهم في إثراء هذه التجربة الجديدة لي، هو العمل بجوار زملاء أكفاء من الديبلوماسيين السعوديين في باريس، وعلى رأسهم الصديق الدكتور محمد بن إسماعيل آل الشيخ سفير خادم الحرمين الشريفين لدى فرنسا. وأيضاً الزملاء سفراء الدول العربية لدى منظمة اليونسكو.

> بلدة «حرمة» المنزوية في إقليم سدير من نجد، خرج من رحمها شاعر الحب الشهير/ ابن لعبون، وأمين رابطة العالم الإسلامي الدكتور عبدالله التركي، والأديب الشاعر عبدالله بن إدريس، وجرّاح القلب الماهر الدكتور محمد الفقيه، والمطرب الأوبرالي شادي الخليج، ماذا تعني لك «حرمة»؟ وهل أنت مع موجة استجلاب الأصول الإقليمية والقبلية؟

– ولدت ونشأت ورزقت في مدينة الرياض، هذا إنصاف لا بد من أن أقرّ به لمحبوبتي «الرياض». لكن أبويّ وأجدادي نشأوا في حرمة، وأسرتي تنتسب إلى حرمة، فهذا رباط جذري لا ضرورة لإهماله، لكن لا ضرورة أيضاً لإشهاره كل حين وكأننا في سباق «مزايين بشر»!

«حرمة» على رغم صغرها، إلا أنها كبيرة  وأثيرة عندنا ومؤثرة عند غيرنا، ولعل الأسماء التي أشهرتها في سؤالك تنبئ عن شيء من التميز والتنوع الذي عرفت به «حرمة» منذ زمن طويل.

بقي من حرمة عند جيلي ذكريات وحكايات، من أبرزها العداوة الفكاهية مع «المجمعة»، كحال أي بلدتين متجاورتين! هل تريد أن تسمع آخر هذه التندرات، عندما عُينت سفيراً للمملكة لدى «اليونسكو» هنأني أحد المعارف برسالة جوال قال فيها: «عقبال ما يعينوك سفيراً لحرمة لدى المجمعة».. ولك أن تفسرها كما يحلو لك!

…اهتمام وطني متزايد بـ «اليونسكو»

منظمة اليونسكو هي ثاني منظمة دولية من حيث الأهمية والفعالية بعد هيئة الأمم المتحدة، وهي الثانية ليس لاعتبارات تاريخية أو اقتصادية أو عرفية، بل هي كذلك لأنها المنظمة التي تعنى بأربعة ملفات تهم البشرية، وتحركها سلباً أو إيجاباً ، هي الثقافة والتربية والعلوم والاتصال. وإذا كانت اليونسكو مهمة من قبل، فهي الآن – في عصر العولمة والإرهاب وصدام الحضارات – أكثر أهمية، والغياب عنها وتهميشها أكثر خطورة.

فأميركا بذاتها التي كانت انسحبت من اليونسكو منذ عشرين عاماً، لم تجد بدّاً من أن تعود إليها عام 2003 بقوة وزخم، وأجندة مكتنزة بملفات ورؤى جاءت أميركا بها إلى «اليونيسكو» بعد أن أدركت أن الهيبة العسكرية والهيمنة الاقتصادية والنفوذ السياسي لم تكف لتمرير المواقف الأميركية لدى الدول والمجتمعات، فكان لا بد من تجريب النفوذ الثقافي والتربوي والعلمي القابع في «اليونيسكو» على مختلف البقاع والبشر.

الحضور والنفوذ العربي ما زالا هشين وضعيفين، لأن المندوب العربي يرى مندوبي الدول الأخرى يتخذون القرارات ويصوتون على الاتفاقات وهو ما زال ينتظر منذ أشهر التعقيب على خطابه الذي أرسله إلى بلده العربي مرفقة به مسودة الاتفاق أو القرار لإبداء الرأي حيالها.

سأكون متجنياً لو لم أقل إن الحال في بلدي (السعودية) أفضل بكثير من بعض البلدان العربية والإسلامية الشقيقة، خصوصاً أخيراً. هناك اهتمام وطني متزايد باليونسكو، هناك تسارع في التجاوب، هناك المزيد من الدعم المادي والمعنوي، ألمس هذا التغاير بين أول مجيئي إلى المنظمة والآن. لكن هذا لا ينفي حاجتنا إلى المزيد من الاهتمام، لأجل وطني الحاضر دولياً.. ولأجل اليونيسكو المنظمة الإنسانية التي شارك في التوقيع على ميثاقها التأسيسي قبل أكثر من ستين عاماً الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله.

مزيد من الاهتمام بهذه المنظمة نأمله دوماً، خصوصاً بعد فوزنا أخيراً في انتخابات المجلس التنفيذي، وتبوئنا مقعداً نافذاً في المنظمة لمدة أربع سنوات مقبلة، تخولنا المساهمة بشكل أكثر فعالية في الإفادة من إمكانات المنظمة وخبراتها، وفي المشاركة في صنع القرار الحضاري داخلها إلى جانب الثقافات العالمية الأخرى.

ها هي مدائن صالح الآن تحت الإجراء لتسجيلها على أنها أول موقع سعودي أثري على لائحة التراث العالمي، وها نحن الأسبوع المقبل تحديداً سنحتفل داخل المنظمة على شرف الأمير خالد بن سلطان بن عبدالعزيز، وفي حضور المدير العام للمنظمة كوتشيروا ماتسورا، بإطلاق برنامج الأمير سلطان بن عبدالعزيز لدعم اللغة العربية في منظمة اليونسكو، وهو عرس اللغة العربية في المنظمة.

لا يوجد تعليقات

اترك تعليقاً