الرجل المتعافي

حديثي اليوم لن يسرّ أحباب أردوغان، ولن يُرضي أعداءه!

 

 

فأنا لن أتجاهل امتداح ما صنعه رئيس الحكومة التركية من إنجازات تنموية قفزت بتركيا، خلال عشر سنوات فقط، من دولة مديونة إلى إحدى دول مجموعة العشرين G 20 على المستوى العالمي، ومن دولة تخشى أوروبا أن تثقل كاهل اتحادها لو انضمت إليه إلى سادس أقوى اقتصاد أوروبي حالياً. يندرج تحت هذا التصاعد في التصنيف ارتفاع مستوى الدخل وزيادة الصادرات التركية، وانخفاض المديونيات ومعدلات التضخم.

 

 

وسياسياً، فما من منصف ينكر استعادة تركيا لجزء كبير من هيبتها السياسية ووجودها المؤثر في الساحة الدولية.

 

 

ونحن في الوطن العربي، وخصوصاً المشرق، يجب أن نفرح بتعافي (الرجل المريض) لأنه على الأقل سيضمن لنا توازناً في الأمن الاستراتيجي مع المتعافي الآخر (إيران)!

 

 

واجه رجب طيب أردوغان، خلال الأشهر الماضية، ضغوطاً من قوى داخلية وخارجية لا يسرّها الخط الإسلامي الذي تنتهجه الحكومة التركية. وحين نقول «الإسلامي» فإننا لا نعني أن دولة تركيا تحولت إلى خلافة راشدة، لكننا نعني بأنها على الأقل لم تعد تحارب مظاهر الإسلام أو تحاول أن تطمس مظاهره ورموزه كما كانت تفعل الحكومات السابقة.

 

 

وعلى رغم الضغوط الهائلة لإسقاط أردوغان وحكومته إلا أن العالم كله، خلافاً لكل التحليلات الاستباقية والتوقعات، فوجئ بفوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية التي أجريت الأسبوع الماضي في الأقاليم التركية.

 

 

لكن زعيم حزب العدالة والتنمية المنتصر، دفعه انتصاره الكاسح إلى الوقوع في فخ الإعجاب الفارط الذي لم يتوقف، في خطابه بعد الفوز، عند شكر الذين دعموه ووقفوا معه وصوتوا له، بل وإلى تهديد الذين عارضوه وكادوا له وصوتوا ضده بالطبع.

 

 

كانت رسالة التهديد من أردوغان لمعارضيه بأنه سيطاردهم حتى يدخل كهوفهم وبأنهم سيدفعون الثمن، رسالة لا تليق بزعيم وطني يريد أن يكون لجميع مواطنيه، وليس للذين صوتوا معه فقط.

 

 

وقد أجاد الكاتب المرموق عطاء الله مهاجراني في إثارة سؤال هذه المرحلة:

 

 

«إذا استغل رجل (رئيس الوزراء) مكانته وهدد خصومه، فهل يعني ذلك أنه رجل بالغ القوة؟ وبعبارة أخرى، هل يمكن تفسير الحديث عن السلطة واستخدامها لاستبعاد مجموعات وأحزاب المعارضة، إشارة إلى القوة؟ أعتقد أن السلطة تملك هوية متناقضة، فعندما يجري الإسراف في استخدام السلطة تتغير هويتها، وتتحول إلى ضعف، وكما يقال، فكل شيء جاوز حده انقلب إلى ضده». (صحيفة «الشرق الأوسط» 7/4/2014).

 

 

هنا يكمن الفارق بين الحاكم والزعيم.

 

 

وقد أشرت في مقال سابق كيف استطاع نيلسون منديلا أن يتحول إلى زعيم سياسي، لا في دولته فقط ولا في قارّته أيضاً بل في العالم أجمع. وليس ذلك إلا بفضل خطاب المصالحة الوطنية الشاملة التي تبناها مانديلا بعد انتصاره، على رغم كل المعاناة والاضطهاد الذي قضى على ثلث حياته مسجوناً.

 

 

الحاكم هو الذي يصل إلى سدة الحكم بغالبية إرادة الشعب أو حتى دون ذلك. أما الزعيم فهو الذي يستطيع بعد ذلك أن يستحوذ على إعجاب وقبول من اختاروه وأيضاً من لم يفعلوا في البدء.

 

 

فهل يستطيع أردوغان المحافظة على زعامته التركية من خلال خطاب مصالحة وطني شامل وغير إقصائي؟

التعليقات مغلقة