مندوب السعودية يقول : أفسدت “يونيسكو” علي رؤيتي الإقصائية للثقافات الأخرى ! . زياد الدريس : أتأخر في الاستغفار من الذنب الذي أتردد في تصنيفه

صحيفة الحياة

الأربعاء,  5 مارس 2013

خالد الباتلي

 

 

قبل ستة أعوام تقريباً عيّن زياد الدريس مندوباً للمملكة في”يونيسكو”وأجريت معه حواراً حينها، وكان لا يزال في سنة أولى”يونيسكو”..

الآن ألتقيه وقد بلغ الدرجات العليا في “يونيسكو”ممارسة ومنصباً وأثراً..

وأنا أتحاور معه شعرت باختلاف كثير، رأيت فيه الموضوعية والتسامح أكثر، ورأيت فيه المفردة المختصرة ذات المعنى الأجمل،

زياد الدريس لا يحب الصحافة والديبلوماسية لأنهما مقترنتان بالكذب عنده وعند آخرين، لذا يحب أن يكون فقط كاتباً، ويبشر بأنها مرحلته بعد مناصب الحكومة والقطاع الخاص..

تأخرت الأنثى بالإطلالة في حياته، إذ لم تكن هناك إلا أمه فقط، وأكرمته الدنيا بصبره هذا بزوجة وأربع بنات يمنحنه ما فات وما هو آت، بل وجاءت أول حفيدة له كأنثى اختصرت المراحل لترى جدها في الـ50، وهو مازال يعشق أنفاس الأنثى حواليه..

زياد عاش بين الروس طالباً فأخذ منهم المطولات والمقعرات والمراهقة ذات الأصالة، وجاء لباريس سفيراً فألزمه المنصب بعقل لا يناسب الباريسية وغوايتها، لكنه يعرف كيف يغوي ويتغاوى. كيف لا؟ وله فلسفة جميلة مع الذنب والاستغفار لا يجيد صناعتها أحد مثله..

كادت”السلفية”أن تقضي عليه، لكن انتصرت له النوايا الحسنة، ومازال قلمه ينبض حبراً، ولا تزال أعماله تنطق سحراً.هو إسلامي الفكر.. ليبرالي التفكير.. لأنه مؤمن بأن الإسلام”محتوى”فكري، والليبرالية”أداة”للتفكير”

لا نحتاج إلى سيرة ذاتية لنعرف بضيفنا اليوم، فهو ابن الصحيفة والصحيفة رحم حروفه وكلماته..

> من هو ورقة بن نوفل الذي آمن بك قبل كل أحد؟

– هو زياد الدريس، إذ كان إنساناً صادقاً ولطيفاً معي طوال علاقتنا المديدة. تعرفت عليه في الصغر ثم توثقت العلاقة بيننا بعد أن كبرنا، نتخاصم أحياناً لكننا لا نلبث أن نعود لصداقتنا من جديد.

أستشيره في معظم شؤوني، لكن هذا لا يعني أني آخذ بمشورته دوماً، فبعضها يكون عاطفياً ومتعجلاً، ولذا ألجأ إلى غيره من الأصدقاء.

في بعض القضايا بالتحديد لا أجازف بأخذ رأيه ولا حتى باستشارته، لأني خبرت خلال الأعوام الطوال من العلاقة بيننا نقاط ضعفه، ولولا الوفاء الذي يتحتم بين الأصدقاء لسردت نقاط ضعفه هذه أمام الآخرين.

أوجه له بهذه المناسبة ومن هذا المنبر الشهير تحية حارة على صدقه ووفائه الدائمين معي، وآمل أن تستمر صداقتنا إلى الأبد.

هل عرفت أخي خالد عمن كنت أتكلم؟ قد تحتاج مثلي إلى العودة، بين كل عبارتين، لقراءة الاسم”أعلاه”. أنا فعلت ذلك!

> أي الثقافات تبت عنها بعد سن الـ40 يوم بلغت أشدك وشادتك؟

– الثقافة الأحادية القائمة على الاعتقاد بأن الحقيقة المطلقة عندي فقط، وأني أنا الأفضل والأجمل في هذا العالم، ولأجل هذا طبعاً فنحن لا ننشغل إلا باعتقادنا أننا مستهدفون ومحسودون.

تحلّلتُ من عقدة أننا الأجمل لكن من دون أن تصيبني عقدة أنهم الأجمل. نعم أنا لا أنفي الاستهداف، لكن ليس بالصورة”الانتعاشية”التي نكررها صباح مساء.

الروسية والفرنسية

> كيف تقوّم علاقتك باللغة الروسية قياساً بعلاقتك باللغة الفرنسية؟

– اللغة الروسية كنت أطاردها وأنا لا أعشقها.. من معهد بوشكين لتعليم اللغة الروسية إلى صحيفة البرافدا، أتهجّى تلك الأحرف الغليظة التي تصنع مفردات تشبه الخبز الروسي الأسمر.

وكنت كلما مررت بكلمة رقيقة في تلك اللغة واستطعمتها وتداولتها بلذة، قيل لي إنها مفردة أصلها فرنسي، تسللتْ من صوالين بطرس الأكبر المتفرنسة.

جئت الآن إلى فرنسا، ووجدتني أمام اللغة التي أعشقها، لكني للأسف لا أطاردها بما يكفي لتبيان هذا العشق.

> أعوام دراستك العليا الروسية.. كيف تعاملت فيها مع التيار الروسي ذي النفس الطويل في الوصف والكتابة؟

– تعايشتُ مع النفَس الروسي الطويل، فمكثت قرابة ثمانية أعوام كي أنجز دراستي العليا.

صحيح أني لم أكن متفرغاً طوال أعوام الدراسة، لكنها كانت مدة كافية لتحدث منعطفاً في حياتي، وتخرجني من صندوق التفكير النمطي. أخذتْ مني الدراسة صفحات”تولستوية”طويلة من القراءة والكتابة.

الحق أنها لم تكن مجرد دراسة أو أطروحة كانت أكبر من هذا بكثير.

> والتحليل.. كيف تآلفت أدباءهم الذين صقلتهم ثلوج سيبيريا وأنت ابن”حرمة”الحارة؟

– مسألة التآلف والتأقلم والتكيف لم تشكّل لي في كل محطات حياتي عائقاً، لن أنسى أني أثناء دراستي بكلية العلوم في سن الشباب، كان درس التكيّف adaptation من أكثر المواد والمواضيع المحببة إليّ.

لأجل هذا لم أجد وعائلتي صعوبة في التأقلم بين الرياض وموسكو وباريس.

> لك قنطرة لا يعبرها غيرك في التعامل مع المصطلحات… لكن يبدو أنها سجنتك!

– أقاتل كل فخ وإغراء كي لا يسجنني نمط واحد من الكتابة، والحكم في النهاية للقراء إن كنت نجحت في الفرار من قيود السجّان أم لا!

لكن هذا الحذر لا ينسيني في المقابل أن لكل كاتب نكهته الخاصة التي ينبغي أن يُعرف بها، إذاً أريد أن أنوّع في الأطباق لكن مع الحفاظ على نكهة مميزة ثابتة.

> بكم تدين للسخرية في الكتابة؟

– أدين لها بعباراتي التي اضطر أحياناً أن أجعلها ملغومة، ولو فككتها لأتلفت ورقتين أو ثلاثاً من الهذر الطويل.

> أي صلة بين علم الحيوان وبين سيسيولوجيا الثقافة.. هل تتبنى مقولة أن الإنسان”حيوان ناطق”؟

– كثيراً ما يلجأ أهل السيسيولوجيا إلى أهل البيولوجيا لتسهيل تفكيك بعض الظواهر المجتمعية.

وقد درست الاثنين وبمحبة الحقلين. هنا في هذا المحك أجد نفسي مستمتعاً بقدر من هذا وذاك، فيكون سمننا السوسيولوجي في دقيقنا البيولوجي!

أرجو ألا يُفهم من كلامي الآنف أني أعني الاكتفاء الذاتي، بل أعني توافر الأدوات الذاتية.

> محطاتك العلمية والعملية.. كم حجم الصدفة فيها من التخطيط المسبق لها؟

– لست من جماعة ستيفن كوفي ولا أجيد العادات السبع ولا العشر، ولست ممارساً في مجال تطوير الذات ولا البرمجة العصبية.

ولست من الذين يقدّمون دورات في كيف تخطط لحياتك في الـ50 عاماً المقبلة.

وأكاد أقول إن 90 في المئة مما حصلت عليه أو صنعته كان من دون تخطيط. أنا هنا لا أمتدح فوضاي ولا أذمّ التخطيط، لكني أريد أن أقول فقط بأن المبالغة في التخطيط.

تجعل الحياة صناعية، مثلما أن المبالغة في العفوية وعدم التخطيط تؤديان إلى الهاوية. ربما بالغت من جانبي في عدم التخطيط، لكن الله لطف وستر.

الشهادات الوهمية

> اعتراف التعليم العالي بجامعة ما، هل هو صكّ غفران للعلم؟

– اطّلعتُ على ما يقوم به بعض المهتمين بمطاردة الجامعات الوهمية وكشف الشهادات المزيفة التي تصدر عنها، وهو عمل مبرر و مقبول.

فمجتمعنا لا يتحمل المزيد من الوهم والتزييف، والذي يقبل بالحصول على شهادة وهمية أو مزيفة يصبح إنساناً قابلاً للتزييف في أي وقت و في أي موضع.

لكن ينبغي التثبّت قبل قذف الناس بالظنون، فالتشكيك في الشهادة تشكيك في الذمة والنزاهة.

كما أني رأيت في أحد المنتديات المعنية بهذه الحملة مَن كَتَبَ يدعو القائمين عليها إلى التفريق بين الشهادات غير المعتمدة من وزارة التعليم العالي والشهادات المزيفة الصادرة عن جامعات وهمية.

وقد أوجز فكرته بالقول إن كل شهادة وهمية يجب ألا تعتمدها وزارة التعليم العالي، لكن ليست كل شهادة لا تعتمدها التعليم العالي شهادة وهمية.

و الفارق هنا أن وزارة التعليم العالي قد لا تعتمد بعض الشهادات بسبب ضوابط و إجراءات تكون إدارية أكثر منها أكاديمية، وتختلف هذه الضوابط بين دولة و أخرى، ما يجعل الشهادة التي لا تُعتمد في بلد تُعتمد في بلد آخر.

المحك الأساسي في الفرز يعتمد على عناصر ثلاثة: أن تكون الجامعة حقيقية ومثبتة ضمن المؤسسات الأكاديمية، وأن تكون الشهادة حقيقية ومعتمدة من مؤسسات رسمية في بلد المنشأ، وأن تكون الأطروحة أو العمل الأكاديمي مستوفياً للشروط العلمية.

ما عدا هذه الضوابط الثلاثة تفاصيل تقع في الشهادات المعتمدة من وزارة التعليم العالي أو في غير المعتمدة.

ويقوم في منظمة”يونيسكو”حالياً برنامج يعمل منذ أعوام على وضع آليات حديثة للاعتماد الأكاديمي تُواكب مستجدات التعليم المفتوح والتعليم عن بعد.

> في رأيك، لم التشفي والحقد ينتشران في مجتمعنا، وبخاصة تجاه من يعمل ومن يبدع في شكل خاص؟

– هذه الظاهرة ليست خاصة بمجتمعنا، بل هي جبّلة كل المجتمعات البشرية، لكنها تزداد ظهوراً أو خفية بحسب وعي المجتمع وقدرته على الإفادة من المحسود بدل التخريب عليه!

> أيهما أقرب لك الصحافي ذو العلاقات الجيدة أم السفير ذو المهارات العالية؟

– لا هذا ولا ذاك، فكلاهما ملموز دوماً بالكذب، الذي يُسمى عند الصحافيين: إثارة، ويُسمى عند الدبلوماسيين: تجمّلا ولباقة.

والأقرب لي هو”الكاتب”الذي يقول الحقيقة للقارئ بأسلوب يمنحه المعلومة و المتعة معاً. لا يغيب عني طبعاً أن بعض الكتّاب هم كُذّاب، لكني أبرأ من هؤلاء أيضاً.

> أول علاقتك بالصحافة كانت من قمة الهرم رئيساً لمجلة”المعرفة”، وتركتها لمنصب المندوب الدائم للمملكة في “يونيسكو”… أي عصا سحرية تملكها وأي التوصيات السلطانية تقتنيها؟

– أنا في الحقيقة أملك”عصا”في يدي وأستخدمها، لكنها لسوء الحظ ليست سحرية! العصا السحرية تتشكّل في يدك عندما تكون قادراً على تحديد قراراتك بوضوح وبعزم لا ينحني لإغراءات وضغوط محيطة تأتي من كل صوب، فتشتّت عليك هدفك الذي ستنجح فيه.

القدرة على توضيب نفسك للمكان الملائم هي العصا السحرية، مع عدم إغفال التوفيق من الله الذي يسوق لك الحظ للوصول في اللحظة المناسبة للمكان المأمول.

> بعد الصحافة الورقية والعوالم الديبلوماسية… ألا تفكر بصحيفة إلكترونية لتجمع المجد من أطرافه؟

– ظننت أن المجد أكبر بكثير من مجرد امتلاك صحيفة إلكترونية أو قناة فضائية. المجد في تحقيق نجاح مختلف، ليس نجاحاً اعتيادياً بل نجاحاً استثنائياً.

هنا يكمن الفرق بين النجاح والمجد. عندما يتحقق النجاح الاستثنائي، سواءً أكان في صحيفة ورقية أم إلكترونية أو في عمود صحافي أو كاريكاتير استثنائي فهذا مجد، وينطبق هذا المعيار”المَجدي”على كل شؤون الحياة.

مواصفات مندوب”اليونيسكو”

> لو تركت”يونيسكو”الآن.. فمن ترشح من السادة والسيدات السعوديات كي يكمل مسيرتك ويضيء المشعل الذي توّهج في أيامك؟

– لن أُرشّح اسماً، بل خمس مواصفات تناسب العمل، خصوصاً في المنظمات الدولية، وعلى رأسها ألا يكون من الموظفين من طائفة”خطابنا وخطابكم”، أو ممن لا يعمل إلا” وفق التوجيهات”، أو ممن يتردد في المشاركة والتعبير عن رأيه بسبب”خصوصيتنا”، أو ممن يبني علاقاته واتصالاته مع ممثلي الدول الأخرى بناء على فكرة واحدة مفادها أننا”مستهدفون ومحسودون”.

وأخيراً: ألا يكون من أولئك الذين كي يهربوا من مطاردة الخصوصية لهم، أصبحوا موفدين لبلادنا، لكن”لا طعم لهم ولا لون ولا رائحة”!

> التحرير الأصغر الذي قدت لواءه في”يونيسكو”لفلسطين… كيف تحمّلت العداء الذي أمطرت به السموات عليك؟

– لا أحب لعب دور”البطل”المستهدف من الأعداء والمتربصين، على رغم أني أدرك أن ثقافة المجتمعات العربية تؤصل فكرة مفادها أن الناجحين هم المستهدفون.

ولذا أصبح المثقف”العادي”إذا أراد أن يثبت أنه”مميز”يشيع دوماً أنه مستهدف وتصله رسائل تهديد، وكاد أن يودع السجن مراراً!

عودة إلى موضوع فلسطين في”يونيسكو”، أفتخر بأني أسهمت بدور معقول في تلك المعركة الانتخابية الشرسة واللذيذة في آن.

مساهمتي في نجاح المعركة اعترفت بها فلسطين والدول العربية وكثير من الدول الغربية والشرقية، وعلى رغم هذا فما زالت علاقتي مع جميع سفراء الدول التي صوتت”مع أو ضد”طيبة وإيجابية، ولم أبنِ عداوات مع أحد منهم، على الأقل في ما يظهر لي!

>”يونيسكو”.. لم لا نشعر بها في الداخل أكثر؟

– لن أرفض توجيه هذا السؤال إليّ، لكني أتحفظ على توجيهه إلي وحدي، فالسؤال عن وجود”يونيسكو”داخل السعودية يوجه إلى جهات ثلاث، أنا آخرهم.

أما الأول فهي اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم، والثاني هو الإعلام السعودي، أما السؤال عن حضور السعودية داخل “يونيسكو”فيوجه إلى الجهات الثلاث نفسها، ولكن بالعكس، إذ هنا أكون أول من يُسأل.

> مالذي أفسدته عليك”يونيسكو”عبر مشوارك معها؟

– أفسدتْ عليّ ما كان فاسداً في ذائقتي وفي رؤيتي الإقصائية للثقافات الأخرى!

> كل كتاباتك قصيرة.. لكنها تمنحنا حيرة طويلة.. من أنموذجك الكتابي؟

– أعجبني توصيفك”الكتابات القصيرة التي تمنحنا حيرة طويلة”، وأتمنى أن تكون مقالاتي حققت بالفعل هذه المعادلة الفائقة النجاح.

أما حكاية مقالاتي القصيرة فسأسوقها كالتالي: حين بدأت الكتابة كانت مقالاتي الأولى قصيرة، وحاولت تمطيطها حتى تكون أكثر وجاهة فما استطعت.

ثم قلت إنه مع الوقت ومع زيادة تمرّسي واحترافي للكتابة ستتمطط مقالاتي تلقائياً.

لكن هذا لم يحصل حتى بعد مرور أعوام من الكتابة، باستثناء مقالتين أو ثلاث فقط. عندها أدركت أن الله خلق الحديث المكتوب على مثل الحديث المنطوق، فيه من يطيل الثرثرة وفيه من يقتضب، وكلاهما يقول فكرة واحدة، أما التمييز بينهما فيكمن في جمال السرد، سواءً أطال أم قصر.

وكنت أخجل من مقالاتي القصيرة بصفحة الرأي في صحيفة”الحياة”، لكن خجلي تلاشى عندما رأيت مقالات بعض جيراني في الصفحة المقابلة من الصحيفة والذين تشبه مقالاتهم الكبسولة الصغيرة المليئة بالفيتامينات!

الربيع العربي

> الفقر أم غياب الحريات.. أيهما هو عود ثقاب”الربيع العربي”؟

-الفقر حال مرَضيّة طارئة تمر بالمجتمع أو بالأسرة ويُفترض أن تُشفى منها عندما تحين اللحظة الاقتصادية العادلة بمعناها الإنساني لا المثالي. عندما تغيب الحريات يتحول الفقر إلى وباء مزمن وعصيّ على العلاج.

هذه الرؤية الدامجة بين الحقوق والحريات جعلت من المتعذر على محللي وفاحصي الربيع العربي أن يعلّقوه في رقبة الحرية أو في رقبة الفقر، الربيع العربي يحتاج إلى أكثر من رقبة!

> كيف ترى المجتمع السعودي من الخارج، أما زلنا نغرق في شبر ماء؟

– كنا نغرق في شبر ماء ولا أحد يقول شيئاً أو يعترض أو يترحّم على الغرقى. الآن لو غرق مواطن في البحر لا أحد يسكت.

الكل يتكلم و يعترض وينتقد، القول أصبح متاحاً ومشرعاً.. لكن بقي العمل.

إذا لم نحقق تحوّلاً حقيقياً وليس شفوياً، فسيأتي وقت نغرق فيه في”رشفة”ماء!

> لماذا نست أوروبا مشكلاتها.. ونحن من مباراة كرة قدم نذكر كل شيء؟

-أوروبا تناست ولم تنس مشكلاتها، وهذا مما يمتدح للإنسان الأوروبي الأكثر واقعية من الإنسان العربي.

لكن هذه القدرة في تغليب المصالح على العواطف ليست نتائجها دوماً تستحق المديح، فآثارها على مستوى المجتمع الصغير سلبية ومؤثرة، خصوصاً في منظومة العائلة.

باختصار، الغرب ضحّى بالعائلة من أجل الدولة، العرب يضحون بالدولة من أجل العائلة.

وما يزال البحث جارياً عن نظام سياسي واقتصادي حديث يكفل متانة الدولة وتماسك العائلة في آن.

> لا تحب ساعات الدوام الوظيفية وتفخر بأنك نصف موظف.. هل تنتابك المزاجية كثيراً؟

– عندما قلتُ يوماً بأني نصف موظف لم أكن أقصد فوضويتي وعدم انضباطي في الدوام، بل كنت أقصد عدم انضباطي الصارم بالقوانين الصامتة والصلدة إذا رأيتها ستعوقني عن تحقيق أهداف المهمة التي لأجلها وُضعت في ذلك الموقع الوظيفي.

عندي مزاجية منضبطة، ليست المزاجية التي تحثّني على الغياب عن العمل يومين أو ثلاثة دونما سبب، أو أصدر قراراً مفاجئاً دونما مبرر، أو أوبّخ وأهمّش موظفاً دونما حق، بل المزاجية التي تجعلني أقدّم للعمل”فكرة”ليست مدرجة في دليل العمل، وليست مألوفة لدى المراقبين. يجب أن يكون لدى كل موظف هامش معقول من المزاجية حتى لا يتحول إلى آلة أو ماكينة.

> كونك غير مصنف.. حاولت كل الأطراف إما استمالتك أو عداءك، كيف تصارع تلك الاتجاهات؟

– حتى أحافظ على امتياز”عدم التصنيف”يجب أن أحافظ على مسافة واحدة مع كل الأطياف، وهذا يعني أن أصارعها كلها من دون استثناء، أو ألا أصارعها كلها أيضاً.

كنت أعي أن مصارعة واحد من هذه التيارات سيستهلك وقتاً وجهداً وصدقية وأخلاقاً فكيف بـ”عدالة”مصارعتها كلها! ثم إن مجرد مبدأ الصراع والمصارعة لا يستهويني منذ طفولتي، لكني أبقيت فقط على شيء بسيط من الاستعداد للمصادمة مع من يريد أن يصادر حريتي أو يقولبني.

لكن حتى هذه المصادمة لها عندي حدود وضوابط تحميني من الوقوع في فخّ الهبوط مع الطرف الآخر، والمستعد للهبوط أصلاً!

> أي ذنوبك تلك التي تتأخر في الاستغفار منها؟

– أتأخر في الاستغفار من الذنب الذي أتردد في تصنيفه، هل هو ذنب أم لا؟ ثم ما ألبث أن أتذكّر عزة الله وجلاله وعظمته فأستغفره توقيراً وتقديساً وتنزيهاً، فأشعر بأن استغفاري صار تسبيحاً.

> وأي حماقاتك لا تلبث أن تكررها؟

– ارتكاب الذنوب، قبل الاستغفار وبعده.

> نفسك الأمّارة بالسوء.. متى تلجأ إليها؟

– عندما أريد ارتكاب ذنب غير مبرَّر.

> ونفسك اللوامة متى تكره حضورها إليك؟

– إذا قررت عقد صفقة مع نفسي الأمّارة!

مقصرون في حق أبي

> أبوك اسم في الخريطة السعودية.. ألا تشعر أنك وإخوتك مقصرون في تقديم هذا الرمز في الشكل الذي يليق به؟

– مقصّرون؟ لا شك مقصرون، أحياناً من باب النزاهة في عدم استغلال مواقعنا الصحافية والكتابية في” تلميع”أبي، كما سيفسره الناس.

وأحياناً أكثر بسبب الكسل والمماطلة. لكن لحسن الحظ أنه تم خلال هذين العامين إصدار أهم كتابين يمكن أن يصدرا عن أديب وشاعر كبير مثل أبي، الأول:”الأعمال الشعرية الكاملة لعبدالله بن إدريس”الذي صدر العام قبل الماضي وتشرفتُ بالإشراف على إصداره.

والثاني:”السيرة الذاتية.. قافية الحياة”الذي صدر وسيوزع في معرض الرياض للكتاب، و أشرف على إصداره شقيقي الأكبر إدريس الدريس.

وأرجو أن نستكمل مع بقية إخواني الأوفياء متابعة إصدار النتاج الثقافي لهذا الأب الرؤوم.

> غياب الأخوات لديك كيف استثمرته مع بناتك الأربع، وكيف حدد علاقتك مع الأنثى؟

– عشت النصف الأول من حياتي مع إخواني الأربعة، ثم عشت النصف الثاني منها مع بناتي الأربع!

ووجدت الفارق كبيراً بين”الخلطتين”في نوعية الأحاديث والحاجات والاهتمامات وردود الأفعال.

ليست المقارنة هنا في أيّ الفترتين أكثر انسجاماً أو سعادة، فكلاهما أعطاني نكهة مختلفة من السعادة. لكن المقارنة في كيفية إدارة الخلطتين.

أخشى أني أصبت بناتي وزوجتي أيضاً، بضرر أو حيف بسبب أني لم أتعرف على عالم المرأة إلاّ متأخراً، باعتبار أن أمي لم تكن امرأة.. بل كانت”أمي”!

> حفيدك الأول هل منحك شيئاً مغايراً عن الابن والابنة؟

– مهمات الوظيفة والزواج ثم إنجاب الأبناء، نصنّفها كلها بوصفها استكمالاً لدورة الحياة وبرنامج عملها مع البشر.

وحده الحفيد الذي تحس بأنه ربح إضافي فائض على رأس المال! حفيدتي الأولى”لمياء”منحتني حياة جديدة.

الزوج السلفي

> أيهما تفضل لابنتك زوجاً.. السلفي أم الليبرالي؟

– أفضّل لها الزوج”المسلم”الذي يوقّر السلف لكنه لا يزدري الخَلَف.

ما دام أنك أعدتني إلى ثنائية السلفي والليبرالي فسأعيدك إلى ما سبق أن قلته في حوار مع هذه الصحيفة في تاريخ 1-4-6002 عن ثنائيتي التي ارتضيتها لنفسي حين قلت:

“أما وقد اشتهيت التصنيف، فسأقول لك إنني إسلامي الفكر.. ليبرالي التفكير.. لأنني أؤمن بأن الإسلام”محتوى”فكري، والليبرالية”أداة”للتفكير”، وسأرتضي لبناتي الزوج الذي يوقّر السلف ولا يزدري الخلف.

> لو تقدم زياد الدريس لخطبة ابنتك.. هل ستوافق عليه؟

– سأسأل عنه أصدقاءه ومعارفه، وأظنني لن أقبل به بسرعة!

> السؤال الذي يتكرر.. ماذا بعد “يونيسكو”، هل ستعود للوظيفة الحكومية أم ستتخطفك الشياطين هنا وهناك؟

– لم أحسم أمري بعد.

لكن الذي آمله ألا أعود للعمل الحكومي ولا حتى الخاص، ولكن لن أسمح للشياطين أن تتخطفني.

هذا ما آمله بصدق، لكن يغير الله من حال إلى حال.

الأجندة الإيرانية مهدّدة… والليبرالية تعيش أزمة حقيقية

< يذكر الدكتور زياد الدريس”أننا نحن في زمن لم يعد الفوز فيه محصوراً على أجندة واحدة فقط، كما كان الحال في ما مضى.

وعلى رغم أن المقارنة بين الأجندتين الصينية و الإيرانية لا تستقيم في هذا الشكل، إلا أنه يمكن القول بأن الأزمة التي تعيشها إيران من داخلها تمنع التكهن بوجود أجندة إيرانية متكاملة ومهددة لمن حولها.

أما الأجندة الصينية فهي اقتصادية بامتياز، تهدف إلى إغراق الأسواق، لكنها لا تشكل تهديداً ثقافياً للهوية، على الأقل على المدى القريب، فهي تقدم للعالم منتجات استهلاكية مرغوبة ومطلوبة، لكنها تحظى في ذات الوقت بكراهية وازدراء من المستهلكين أنفسهم، على عكس المشاعر الإيجابية التي كانت مصاحبة للمنتجات الغربية”.

وحول الليبرالية ومايحدث لها فيرى ضيفنا أن الحديث عنها يطول، لكن يمكن القول باختصار:”أن الليبرالية تعيش أزمة حقيقية الآن، ليس فقط في العالم العربي أو الإسلامي بل في كل العوالم، والسبب يكمن في شكل أساسي في تزايد المدّ الديني وشغف الأجيال الجديدة باستعادة الهويات الصغرى بعد أن أضاعت العولمة ملامح الإنسان المتنوعة”.

ويضيف،”هذه المراجعات الروحية والوجدانية جعلت جيل الشباب الآن يبدو أكثر التصاقاً بالقبيلة والعائلة، ما يعني إعطاء الظهر لليبرالية التي قامت على أساس الحرية الفردية المطلقة، أي المفاصلة بين الفرد والأنماط الاجتماعية القديمة”.

مع”السلفية”… لا إكراه في الوطنية

> لو استقبلت من أمرك ما استدبرت.. هل ستكتب مقالتك عن السلفية؟

– يهيئ الله للكاتب أن يكتب في حياته عشرات أو مئات المقالات، لكن يبقى يتذكر ويذكّره الآخرون بمقالة أو اثنتين أو ثلاث منها من بين كل ما كُتب. أقول هذا لأخبرك بأن عندي حتى الآن مقالتين طوال 30 عاماً من الكتابة، أبقى فخوراً بهما وبانتظار المقالة الثالثة الأثيرة التي ستأتي بإذن الله خلال الأعوام المقبلة! أما المقالتان الأثيرتان لديّ فهما، مقالة:”أردت السلام على النبي ولم أرفض السلام على الأمير”ومقالة:”السلفية.. هل هذا وقتها؟”.

وقد أثبتُّ هاتين المقالتين في كتابي الذي سيصدر في معرض الرياض للكتاب هذا الأسبوع بعنوان:”لا إكراه في… الوطنية”أوَ تسألني بــعد ذلك إن كنتُ نادماً على كتابة مقــالة”السلفية”؟ وبالمناسبة، فأنا أتعــمد كما تــرى أن أضع”السلفية”بين قوسين حتى أذكّر الناس عن أي سلفية كنت أتحدث.

التعليقات مغلقة