من “دنسكو”إلى”ونسكو”

حقبة دولية مثيرة في حياة غازي القصيبي1999-2009

وددت أن أقول بأني سأكتب عن الراحل غازي القصيبي، وأكتب وألحّ في الكتابة .. حتى يعود !

(1)

وددت أن أقول بأني سأكتب عن الراحل غازي القصيبي، وأكتب وألحّ في الكتابة .. حتى يعود !

تنويه: هذه الكتابة ليست في رثاء الراحل غازي القصيبي .. بل هي في رثاء العربي «القادم» إلى منظمة اليونسكو !

لكني بعيداً عن الجنون أو التجديف أعلم بأن غازي لن يعود مهما ألححت في الكتابة، هو لن يعود جسداً لكنه سيعود، مع كل كتابة، روحاً ونمطاً وفكراً ورمزاً.

أتحدث اليوم، بعد أن هدأت عاصفة الرثاء الوجداني للفقيد، عن مفصل في حياته، رأى بعض الأصدقاء أني قد أكون أقدر على تناوله بحكم علاقتي بغازي واليونسكو معاً. فعلاقة غازي واليونسكو لم تتوقف، كما يظن البعض، عند انتخابات 99 م الشهيرة.

(2)

بدأت العلاقة الثنائية بين غازي القصيبي ومنظمة اليونسكو في عام 1999م، ثم أصبحتُ طرفاً ثالثاً في هذه العلاقة حين صدر قرار تعييني مندوباً دائماً للمملكة العربية السعودية لدى اليونسكو في عام 2006م.

بدأت عرى العلاقة الثلاثية باتصال سريع من الدكتور غازي على هاتفي الجوال بعد صدور قرار التعيين، وبادرني هكذا:

- ألو .. سعادة السفير، معك غازي القصيبي.

- أهلاً .. معالي السفير والوزير والخبير.

- بمناسبة وصفك لي (الخبير) لا بد أن أجلس معك جلسة خاصة قبل أن تغادر إلى باريس، وأعطيك (خبرتي) في اليونسكو ودهاليزها، من خلال تجربة الانتخابات السابقة.

- الخبرة الفانتازية حصلت عليها من رواية (دنسكو)، تبقّى لي أن أعرف منك الخبرة الواقعية.

- (دنسكو) شبه واقعية.

أردت أن أغيّر مجرى الحديث بعيداً عن جدليات (دنسكو) النقدية، فقلت:

-المهم أن تكون “سونيا” بطلة الرواية، شخصية واقعية، أريدك أن تدلني في أي دهاليز اليونسكو هي ؟!

-أجابني فوراً: السيدة سونيا هي الفانتازيا الوحيدة في الرواية .. للأسف يا زياد لن تجد سونيا في

اليونسكو !

-قلت له في ختام المكالمة: هذه صدمة .. فأنا من أهم ما دفعني لقبول العمل في اليونسكو هو البحث

عن سونيا، والانتقام لك منها !

ضحك، رحمه الله، ثم اتفقنا أن نلتقي من أجل درس (الخبرة الواقعية). والتقينا بعد تلك المكالمة،

التي جرت في إبريل 2006م، أكثر من مرة لكن لم يعطني الدرس الموعود إلا في إبريل 2009م !!

(3)

غازي القصيبي ينهزم !

ربما هُزم غازي في حياته من قبل، مرة واحدة أو أكثر من مرة، وربما لم يحدث ذلك. لكن المؤكد أن الناس لا يعرفون هزيمة لغازي القصيبي، رغم مشواره المليء بالغزوات، أكثر من هزيمته عام 99م في معركة اليونسكو.

(قام المدير التنفيذي من مقعده وأخذ يتجول في المكتب وهو يصرخ كمن أصابه مسّ: دنسكو للبيع؟ دنسكو للبيع؟ هذه نهاية الحضارة، أوشك أن أقول هذه نهاية العالم .. هذه الإدارة ضمير العالم، من يبيع ضمير العالم ؟!).

بهذا المقطع من رواية “دنسكو” افتتحتُ مقالتي المكرسة عن هزيمتنا في انتخابات اليونسكو (دنس للبيع، مجلة المعرفة، عدد شهر يوليو 2000م). وكنت قبلها قد كتبت مقالة في صحيفة الشرق الأوسط عن نفس الموضوع بعنوان “في اليونسكو .. فازوا بهزيمتنا“.

هل لي أن استدرك بأن علاقتنا الثلاثية لم تبدأ في 2006م، بل منذ عام 1999م؟!

موجز الحكاية:

في 12 نوفمبر 1998م وجَه رئيس المجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو رسالة إلى أعضاء المجلس يدعو فيها حكومات الدول الأعضاء إلى أن توافيه سراً بأسماء الشخصيات التي يمكن النظر في ترشيحها لشغل منصب المدير العام للمنظمة، خلفاً للسيد فيدريكو مايور، الأسباني الذي تنتهي ولايته في 14 نوفمبر 1999م. وأضاف رئيس المجلس في رسالته: “أدعو حكومات الدول الأعضاء الى أن تأخذ بعين الاعتبار، في الشخصيات المرشحة، ما أظهره من الصفات الشخصية والمهنية والإدارية التي تعتبر بمثابة إعداد لممارسة مهام منصب دولي رفيع“.

لم يتوان وزير المعارف السعودي الأسبق د. محمد بن أحمد الرشيد عضو المجلس التنفيذي للمنظمة آنذاك، بديناميكيته المعهودة ووطنيته الساخنة في إدراك أهمية الإفادة من هذه الفرصة لتتسنم المملكة رئاسة ثاني أكبر منصب دولي في العالم، من منطلق أن المملكة من أوائل الدول التي شاركت في تأسيس منظمة اليونسكو وأن الملك عبدالعزيز آل سعود، يرحمه الله، هو ثالث زعيم دولة يوقع كتابياً، بالإنابة، على ميثاق إنشاء اليونسكو في عام 1946م. كما أن هذا المنصب الدولي لم يتوله من قبل أية شخصية عربية أو آسيوية. وقد وجد أن الدكتور غازي القصيبي بحكم خبرته وقدراته الإدارية ومواهبه الأدبية والثقافية والفنية والسياسية هو الأجدر بهذا المنصب، يقول د. الرشيد لمجلة المعرفة، “حين اتصلت بالدكتور غازي لأبلغه، لم يكن متحمساً ولم يعطني الجواب القاطع إلا بعد مضي أكثر من شهر، ومن اللافت أنني عندما عرضت عليه الفكرة لم يكن يعرف الشيء الكثير عن اليونسكو، ولكن بعد فترة بسيطة أصبح ملماً بتاريخ وبرامج وفلسفة اليونسكو أكثر من إلمام بعض المختصين بها .. وهذا ما أدهشني !”.

بدأت معركة الانتخاب. كان أمام اليونسكو أن تختار زعيمها القادم من بين أحد عشر مرشحاً من مختلف جهات العالم. لكن الدلائل كانت تشير يوماً بعد آخر إلى أن المنافسة ستنحصر بين غازي القصيبي والمرشح الياباني كوتشيرو ماتسورا. الحق أن المعركة الانتخابية كانت بين غازي واليابان !

لكن المرشح السعودي، الذي اعتبر مرشحاً عربياً بالإجماع، كان يخوض حرباً أخرى غير حربه مع إمبراطورية اليابان. إنها الحرب، في الحديقة الخلفية للانتخابات، ضد تفتيت إجماع الصوت العربي في ظل بروز مرشح عربي آخر، لكن باسم دولة افريقية حتى لا يتفتت الصوت العربي الموحَد !

في الدورة الأولى والثانية والثالثة من التصويت، كان المرشح الياباني هو الأكثر أصواتاً بين المرشحين جميعاً والقصيبي هو الذي يليه دوماً. حتى حصل السيد ماتسورا على العدد الكافي له للفوز بالمنصب (أكثر من 30 صوتاً) دون الحاجة لخوض الجولتين المتبقيتين الرابعة والخامسة.

انهزم غازي القصيبي .. نعم انهزم، دون حاجة لتلطيف العبارة، لأن غازي نفسه بشجاعته وواقعيته المعهودة هو الذي صرح لاحقاً: “إن هزائم اليوم يمكن أن تتحول إلى انتصارات الغد بشرط أن نواجه أنفسنا ونواجه الحقائق فنسمي الانتصار انتصاراً ونسمي الفشل فشلاً … والآن بعد أن انتهت المعركة وهدأ الغبار يتعين علينا نحن العرب أن ننظر إلى ما كان لا بعين الاعتذار والتبرير ولكن بمنظار التحليل والنقد والتعرف: لماذا انتصر من انتصر ولماذا انهزم من انهزم”. (من كتابه: تجربة اليونسكو .. دروس الفشل).


د. زياد بن عبدالله الدريس

النجاح الذي كان مختفياً خلف ذلك الفشل، هو أنه كان لخوض غازي القصيبي تلك الانتخابات دوراً كبيراً في إشهار اسم منظمة اليونسكو في المنطقة العربية، وفي الخليج على وجه الخصوص بشكل أوسع. ثم كان الإشهار الأوسع و”الأمتع والأفظع” لتلك الانتخابات عندما دخل مرشح عربي آخر على سكة الإجماع العربي على مرشح واحد. فكان المنافسان للمرشح الياباني عربيين منفصلين بدلاً من عربي متصل واحد، (من قال أن الكثرة دوماً تغلب الشجاعة ؟!).

وقد أدلى الكاتب العراقي د. عزيز الحاج، أحد شهود تلك الانتخابات حين كان مسؤولاً في اليونسكو آنذاك بالقول : “وقد تميزت حملة القصيبي الانتخابية بالموضوعية والنزاهة وعفة اللسان وسلامة الأساليب والأخلاقية العالية، ولم يمس في بياناته وتصريحاته أية دولة من الدول ذات المرشحين، كما ترفّع عن الرد على بعض المهاترات. وهكذا كشفت تلك المعركة الدولية، رغم الخسارة لصالح المرشح الياباني، عن قوة شخصية غازي القصيبي ورصانته، بجانب مؤهلاته الأخرى”. (صحيفة إيلاف 16/8/2010م).

(4)

العرب .. هزيمة أخرى وطعنة أخرى

في نوفمبر 2008م كتب رئيس المجلس التنفيذي لليونسكو رسالة مماثلة لتلك التي كانت عام 1998م، يدعو الدول الأعضاء للتقدم بمرشح خلفاً هذه المرة للمدير العام الياباني (غريم القصيبي) الذي تنتهي ولايته في نوفمبر 2009م.

تقدم العرب أيضاً بمرشح موحد لهذه الانتخابات، وهم عازمون هذه المرة على الاستفادة من دروس الفشل التي وضعها لهم غازي القصيبي بعد الهزيمة السابقة.

كان أكثر المتفائلين بفوز المرشح العربي هذه المرة، هو القصيبي نفسه. إذ لم يزل اسم القصيبي، على رغم مرور عشر سنوات مرتبطاً باسم اليونسكو، لم يكن القصيبي مجرد مرشح عابر. لكن بعيداً عن التاريخ والذكرى، فما زال القصيبي مهتماً بالانتخابات الجارية الآن، فهو حفيُّ بها كأنه مازال في بؤبؤها.

أذهل العرب العالم بإجماعهم مجدداً على مرشح عربي موحد هو الوزير المصري فاروق حسني، لكن المهارة العربية المعهودة في ثقب الإجماع أفرزت مرشحاً عربياً آخر، دخل الانتخابات من الباب الخلفي على المرشح المصري، تماماً مثلما كان قد فُعل بالقصيبي عام 99م. لكن للحق، فقد كان القصيبي من أكثر المهتمين بمسار المرشح العربي وأشد المتألمين لاختراق الصوت العربي الموحد. ولطالما تساءل زملائي السفراء العرب عن فحوى اتصالات القصيبي اليومية عليّ أثناء التصويت: هل هي من باب الشماتة بالثقب العربي الجديد؟ وكنت أجد لزاماً عليّ أن أثمن أمامهم، وأمامكم الآن، الموقف العروبي الأخلاقي الكبير للقصيبي الذي أبدى، لم يُبد فقط، بل شارك بالرأي والتحليل في دعم حظوظ فاروق حسني في الفوز بالمنصب، بوصفه المرشح العربي الذي يحمل اسمنا الآن ويجب أن نقف كلنا خلفه.

لكن لأن العرب مازالوا بحاجة إلى دروس تقوية فوق دروس الفشل، فقد منوا بالهزيمة للمرة الثانية.

وكتب غازي القصيبي مقالاً بعد الهزيمة الثانية جاء فيه: “بعد الحدث يصبح كل الناس، حتى أكثرهم غباء، حكماء. والهزيمة طفل يتيم، أما الانتصار فيدعيه ألف أب وأب، … قبل الانتخابات بثلاثة شهور كتبت مقالاً أودعته مخاوفي وعنونته: “معركة اليونسكو: هل يخسر العرب الفرصة الثانية؟”، وكنت أعتزم نشره. عندما انتهيت من كتابته قرأته المرة بعد المرة ورأيت أنه يحمل من التشاؤم الأسود لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، ما سيقود إلى شيء من الإحباط في المعسكر العربي، وكان هذا آخر شيء أريده، قررت عدم نشر المقال. وفي وقت لاحق أطلعت عليه الصديق الدكتور زياد الدريس، المندوب السعودي الدائم “اللامع” لدى اليونسكو. (هكذا وصفني بدماثته)، وأقرني أن الحكمة تقتضي عدم نشره. أستطيع الآن أن أكرر أهم ما جاء في المقال، ويستطيع زياد الدريس أن يؤكد أن المقال وجد بالفعل قبل الانتخابات وأنه لم يفبرك بعدها !” (من مقالته: معركة اليونسكو نجح المرشح وسقط العالم الثالث. صحيفة الحياة 27 سبتمبر 2009م).

ثم استطرد القصيبي في مقالته تلك مبيناً أسباب الهزيمة العربية في اليونسكو في المرتين، من منطلقات سياسية وثقافية، امبريالية وعالمثالثية، عروبية ووطنية. ثم أوجز ذلك في “درسين أساسيين، الأول: هو لا تصدق كل ما تسمع من وعود. والدرس الثاني: هو أن المعركة الحقيقية لا تبدأ مع انطلاق الحملة، بل مع ميلاد كل ترشيح“.

وقد نصحني غازي القصيبي في خضم انتخابات 2009 أن أسجل يومياتي لما يحدث، فقد تكون نواة لكتيّب على غرار ما فعل. وهأنذا أنفذ جزءاً من الوصية.

كانت تلك المقالة الحزينة هي آخر وشائج العلاقة بين منظمة اليونسكو وغازي القصيبي، قبل أشهر من وفاته رحمه الله.

(5)

مرافعة .. في وجه الهزيمة

خاض العرب انتخابات اليونسكو مرتين: في عام 1999م وفي عام 2009م، وكانت الخسارة هي حليف العرب في كلتا الجولتين. ليس الغريب أن يخسر العرب، لكن الغريب أن يخرج بعض الكتّاب العرب، بعد كل خسارة، ليقولوا: ما هي هذه اليونسكو التي خسرناها .. منظمة خاوية أو شبه ميتة، ليس لها تأثير في الميزان الدولي أو القوى الفاعلة في العالم. ثم يختم الكاتب الفطن مرافعته بأنه كان ينبغي أصلاً ألا نضيع وقتنا وجهدنا وأموالنا في مغازلة منظمة هزيلة.

وفي كلتا الجولتين الانتخابيتين كنت أستغرب لماذا لا تنبثق “فطنة” هؤلاء الكتّاب لهزال اليونسكو إلا بعد الهزيمة؟!

اليونسكو هي منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم. وهي إحدى وكالات منظومة الأمم المتحدة الدولية .. لها ما لها وعليها ما عليها. إذاً ما وجه الشبه والاختلاف بين الأمم المتحدة في نيويورك واليونسكو في باريس ؟

الذين سنحت لهم الفرصة، من زملائي في اليونسكو، لزيارة الأمم المتحدة في نيويورك يقولون إن الخطب المطولة والأحاديث الرنانة والمداخلات المملة (في صياغة مشاريع القرارات) هي علة مشتركة بين المنظمتين، بل بين كافة المنظمات الدولية. أما الحديث عن هيمنة القوى الكبرى على توجهات اليونسكو وقراراتها فلا أظنه أشد من هيمنة تلك القوى على منظمة الأمم المتحدة. على الأقل فإن اليونسكو خالية، لحسن الحظ، من حق الفيتو الذي هو أشهر “حق” مناهض لحقوق الإنسان !

الفارق بين المنظمتين، أننا في اليونسكو عندما نتحرر من حصة الخطابات المملة نكون على موعد، في القاعة الكبرى، مع شعر عربي أو موسيقى آسيوية أو سيمفونية أوروبية أو تانغو لاتيني أو أهازيج إفريقية. أما منظمة الأمم المتحدة فهي، عندما تفرغ، تدير التلفاز لتشاهد آثار حق الفيتو، الذي مررته قبل قليل، على وجوه المقصوفين في فلسطين !

تحدث إلينا الزميل سفير اليابان لدى اليونسكو يوماً عن أهمية اليونسكو في بلاده ودورها وحضورها الفاعل الذي عرفه منذ صغره. ثم قال: هل تعلمون أن اليابان أصبحت عضواً في اليونسكو قبل أن تصبح عضواً في الأمم المتحدة بسنوات؟ كانت معلومة مفاجئة لنا، لكنها لم تكن غريبة على اليابان التي نهضت من الصفر، في أعقاب الحرب العالمية الثانية. لم تنهض بالسياسة، بل على أعمدة التربية والعلوم والثقافة … ثقافة الالتزام والإتقان والانجاز. أليس طبيعياً إذاً أن تكون اليابان عضواً في اليونسكو قبل غيرها من المنظمات الدولية الأخرى.

بإيجاز:

إذا كنت غير مقتنع بأهمية اليونسكو أو أية منظمة دولية أخرى، فمن الأفضل أن لا تكون عضواً فيها من أن تكون عضواً هزيلاً !

اليونسكو .. منظمة هزيلة وهامشية لدى الدول الهامشية، أو التي تريد أن تكون كذلك، لكنها مؤثرة بالنسبة إلى الدول التي تجيد الاستفادة منها.

هكذا علمني .. “غازي القصيبي“.


لقطة من الحفل

“6″

من “الهزيمة الأولى” إلى “الأمسية الأخيرة

.. وكان اسم “غازي القصيبي” قد عاد، عام 2008م، يرن من جديد في ردهات اليونسكو.

ما الذي عاد به ؟!

قالوا: إن القصيبي الذي لم يتعود الهزيمة، لن يقبل بما جرى له عام 1999م، وسيعاود غازي “غزو” المنظمة في معركة انتخابات 2009م، ليحقق في اليونسكو انتصاره.

وبدأت الأسئلة تتوالى عليّ من السفراء العرب وغير العرب: هل حقاً أن غازي سيعاود الترشح لمنصب مدير عام اليونسكو في هذه الانتخابات ؟

كنت أفرح بالأسئلة، ولا أريد أن أجيب عليها حتى لا تتوقف !

في شهر نوفمبر 2008م كنت في السعودية. اتصلت بالدكتور غازي وطلبت أن التقيه، فاتفقنا على موعد في جدة.

قلت له عن الإشاعات والأقاويل التي تلوكها جدران المنظمة عن إمكانية عودتك للترشح في انتخابات عام 2009م. ضحك، وهو يعبث بسبحته الصغيرة بين يديه الكبيرتين.

قلت له، بإصرار مفاجئ: لكني أريدك أن تعود، يجب أن تعود إلى اليونسكو.

طالعني باستغراب ودهشة من لهجتي، فبادرته: دكتور غازي، قبل أن تكون مرشحاً لمنصب رئاسة اليونسكو، أنت شاعر وروائي ومثقف وكاتب. واليونسكو بُنيت أساساً لتكون بيتاً لك ولأمثالك، لا لتكون بيتاً لبيروقراطيين أو خبراء (استراتيجيين!). أريدك أن تغزو اليونسكو، هذه المرة، حاملاً راية الشعر والإبداع والانسانوية. باختصار: أريدك أن تقدم أمسية شعرية في منظمة اليونسكو.

تردد في الموافقة، مستنداً إلى أنه لم يعد راغباً في تقديم أمسيات منبرية شعرية جديدة، رغم إغراء اليونسكو. أبديت له إصراري على الدعوة، ووعدته بأن أجعلها، مع زملائي في المندوبية الدائمة، أمسية تليق به وباليونسكو معاً.

وافق، بعد مجادلة وقلق .. ربما من فشل يونسكي آخر!

حددنا موعداً للأمسية الشعرية، يوم الثلاثاء 7 إبريل 2009م. تطايرت رقاع الدعوة داخل اليونسكو وخارجها، وتطايرت معها الأسئلة والإشاعات بصورة أقوى، وقد اقتربنا من الانتخابات أكثر:

(غازي القصيبي يعود إلى اليونسكو. غازي القصيبي يفتتح حملته الانتخابية بأمسية شعرية ! هل يلتوي غازي القصيبي على المرشح العربي “فاروق حسني” كما فُعل به من قبل ؟!)

كنت أستمع إلى كل هذه الأقاويل ولا أجيب عليها بما أعلم .. حتى لا نخسر الإثارة التي ستغلف الأمسية الشعرية وتزيدها وهجاً .. فوق وهج الشاعر والشعر.

وفي أحد أيام فبراير الباردة تلقيت اتصالاً دافئاً من شاعرنا أبي سهيل يخبرني فيه أن حرمه المصون أم سهيل أبدت له البارحة رغبتها في أن تصحبه إلى باريس، وأنها قالت له: أنت دائماً تسافر في مهمات دون أن أثقل عليك، لكنك هذه المرة ستذهب إلى باريس لتزور اليونسكو وتلقي فيها شعراً .. فهل أملك أمام هذه الإغراءات الثلاثة أن أمتنع عن مرافقتك؟! فقال لها أبو سهيل، بمنتهى الحصافة واللباقة، دعيني استأذن مضيفنا أولاً. قلت ، من فوري، يا أبا سهيل .. أنت وأم سهيل في عيوني.

أجابني: لا لا خل أم سهيل برا، أنا حطني في عيونك بس، وأم سهيل في عيوني أنا.

قلت له: بعد هذا العمر وما زلت تغار عليها ؟!

رد بشقاوة: لا ليست غيرة، لكني أعرف أن عيونك بالكاد ستتسع لاستيعابي .. أنا الضخم !

ضحكت، وأجبته: أنت كبير .. لا ضخم.

وفي خضم هذه البهجة التي كنا نعيشها ونترقب ذروتها، جاءني اتصال قبل الأمسية بعشرة أيام، يفيد بأن غازي القصيبي أصيب بوعكة صحية شديدة. خفت أن تكون هذه هي الهزيمة الثانية للقصيبي من اليونسكو .. يا لهذه اليونسكو ؟!

بعد يومين أجابني على الهاتف قائلاً: “لا تخف، سآتي إلى الأمسية بإذن الله، وعكة بسيطة وتعدّي”. لكنها لم تكن لاحقاً وعكة بسيطة أو أنها من النوع الذي يمكن تعديتها !

وصل عريسنا المنتظر إلى باريس قبل الأمسية بيومين، وشرفني في حفل عشاء بمنزلي مع نخبة من المثقفين العرب المقيمين في باريس، كان فيها غازي، كعادته دوماً، نجماً متألقاً بموسوعيته وبديهته وفكاهته الخاطفة. وقبل أن يخرج سألني: هل أنت متأكد من أحداً سيحضر إلى الأمسية غداً ؟! قلت له: ما يهمني هو أن أتأكد أنك أنت ستحضر إلى الأمسية غداً !

قبل الأمسية بساعة، كانت القاعة الكبرى بمنظمة اليونسكو، توشك أن تكتظ بحضور ثاني أمسية شعرية عربية تقام في تاريخ المنظمة (الأولى كانت أمسية الشاعر الراحل محمود درويش، عام 2008م).

افتتحتُ تلك الأمسية الشعرية بكلمة، نشرتها بعد ذلك في صحيفة الحياة، تحت عنوان (غازي في آخر غزواته)، وبالفعل تحقق العنوان، وليته لم يتحقق، فكانت تلك الأمسية عام 1430ه 2009م، هي آخر أمسية شعرية وآخر مشاركة منبرية له في حياته، رحمه الله. بل إن الصديق الكاتب والروائي أحمد أبو دهمان كتب عن الأمسية أيضاً، في صحيفة الرياض، تحت عنوان (القصيبي يسجل وصيته في اليونسكو)!

ما حكاية هذه العناوين الجنائزية ؟!

هل كان غازي القصيبي بهذه الدرجة من الشفافية، بحيث يعلم أصدقاؤه بقرب وفاته ؟!

مكث غازي القصيبي أسبوعاً في باريس ليس لديه همّ، كما كان يردد، سوى الاسترخاء بعد الوعكة والتهرب من جولات التسوق مع أم سهيل.

في أحد لقاءاتنا في ردهة فندق البريستول، سألته: لماذا اختار هذا الفندق بالذات؟ قال: هذا هو الفندق الذي كنت أقيم فيه طوال أيام انتخابات اليونسكو عام 1999م، وقد تعودت عليه وألفته مذاك. قلت: ظننتك ستكرهه لأنه يذكّرك بالهزيمة !

قال: لو كنت أريد أن أنسى الهزيمة أو أخشاها، لما جئت إلى اليونسكو مرة أخرى. قلت له: بالفعل، فأشباح الهزيمة في اليونسكو اكثر منها في البريستول. ثم ختمت هذا الحوار الاستفزازي بالقول:

كفى بالمرء نبلاً أن تُعدّ “هزائمه“!

لاحقاً .. وفي لقاء ثنائي آخر في مكتبي هذه المرة ، سألني عن أوضاعي العملية هنا في باريس وعلاقاتي مع الجهات المعنية؟! لم أشتك له كثيراً، كما يفعل صغار الموظفين مع كبار الموظفين عادة (!) ، لكني حدثته عن الجميل والقبيح وعن الدعم والخذلان وعن الأبواب المفتوحة والأبواب المغلقة.

قال لي، بنبرة أبوية،: وهل كنت تتوقع يا زياد أن يقف الجميع معك ويفتحون لك كل الأبواب، أو أنك كنت تصدق كل ما يقال عن العمل الجماعي والأهداف المشتركة والرسالة الواحدة لخدمة الإنسانية أو حتى لخدمة الوطن؟! كان يجب أن تعرف بأنك كلما ازددت نشاطاً ازدادت المقاومة ضدك، وأن كل نجاح تحققه سيخلق لك عدواً جديداً. أكثر الناس راحة وطمأنينة هم الذين لا يعملون !

وأوجزت موعظته البيروقراطية تلك في عبارة كتبتها لاحقاً وأرسلتها إليه:

إن لم تعمل سيعتب عليك الذين يعملون، وإن عملت سيسخط عليك الذين لا يعملون !

* *

في ختام أمسيته الشعرية اليونسكية التي حضرها قرابة 1000شخص من الجمهور الفرنسي والعربي، وتجلى فيها بقصيدته المطولة “سحيم” مستثيراً بها آذان وجدران اليونسكو، للوقوف ضد الطبقية والعبودية ومستنجداً بقيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان .. في معقلها، أو معتقلها ! في ذلك الختام رأيت كيف تكالب الناس على غازي .. يريدون توقيعه أو التصوير معه. كانت هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها سعودياً “نجماً” من غير الفنانين أو اللاعبين، يتحاشد عليه الجمهور بهذه الصورة.

كانت أمسية يونسكية خالية من الدنس .. مليئة بالونس !

نجحت الأمسية الشعرية الكبرى: شاعراً وجمهوراً ومقراً وتنظيماً، وخرج غازي منها وهو يردد: هذه أمسية العمر .

رحم الله ذلك العمر المكتنز بالسمو والعطاء، وغفر الله له ذنوبه كلها .. وآخرها: حزننا عليه.

(7)

في عام 1999م، انهزم غازي القصيبي في اليونسكو ب 34 صوتاً ..

في عام 2009م، انتصر غازي القصيبي في اليونسكو ب 1000صوت !

* سفير المملكة العربية السعودية لدى اليونسكو

* إحاطة: اقتبس الكاتب هنا مقاطع من مقالات سابقة له عن غازي القصيبي وانتخابات اليونسكو.

4 ردود على من “دنسكو”إلى”ونسكو”

  1. طلال الشثري 5 نوفمبر 2010 في 7:40 ص #

    جميل يا دكتور زياد. بانتظار كتيّب اليوميّات
    ورحم الله غازي

  2. Rehab Abuzaid 11 نوفمبر 2010 في 12:24 ص #

    من أجمل وأروع ما قرأت في الفقيد الغالي غازي القصيبي .. بعد اذن الكاتب علقت المقال على جدار مكتبي ،، ثم علقته على جداري الآخر على صفحةالفيس بوك ! لعل البقية تعلموا الكتابة .. مع تقديري

  3. المختلفه أنا 11 نوفمبر 2010 في 2:05 ص #

    رحم الله أباسهيل وأسكنه فسيح جناته مقاله رائعه يادكتور زياد
    كم كان رائعاً ومميزاًذلك الرجل.

  4. احمد الثويقب 11 نوفمبر 2010 في 10:30 ص #

    رحم الله ابا عبدالرحمن فقد كان رمز للعطاء والاخلاص والصدق والوفاء لوطنه وعروبته , وليت قومي يعلمون ويقومون بربع ما قام به ذاك الشامخ حتى وهو في قبره
    بارك الله بك يا دكتور زياد وبقلمك الراقي كرقي روحك التي بين حناياك

أضف تعليق

* Copy this password:

* Type or paste password here:

31,638 Spam Comments Blocked so far by Spam Free Wordpress