ثريا

صحيفة الحياة
الاربعاء, 30 ديسيمبر 2009

«1»

هل حُكم علينا نحن الكتّاب، أن لا نكتب إلا عن أوباما وساركوزي والقذافي وعمرو موسى؟ أو عن القصيبي والرميحي وأدونيس وشتراوس؟ أو عن عبدالحليم وفيروز وترافولتا وجاكسون؟ أو عن الشلهوب وأبو تريكه وزيدان ورونالدو؟

اليوم سأتمرد على (مينيو) أطباق الكتّاب… المطبوخة سلفاً!

سأكتب اليوم عن ابنتي الكبرى (ثريا) التي زُفّت إلى عريسها البارحة، في حفل جعلني لأول مرة أكتشف كيف يختلط الحزن بالفرح في حفلة واحدة… القليل من الحزن والكثير من الفرح، لحسن الحظ.

كأني لأول مرة أعرف أن البنت إذا تزوجت تترك بيت والديها، وتصبح علاقتهما علاقة زيارة بعد أن كانت إقامة دائمة. كأني لم أفعل ذلك «السطو» من قبل على بنت الناس (زوجتي)! كأني كنت أظن أنا العريس «المعتدي» عبد المحسن سيعيد ثريا إلى بيتنا بعد حفل الزواج!

لم نفكر أن ابنتنا التي عاشت معنا عشرين عاماً، ليلاً ونهاراً، ستغادرنا إلى بيت آخر وعائلة أخرى، وسنسمي ليلة الرحيل تلك: ليلة فرح!

ستتساءلون: هل جُننت؟ كيف أقول هذا الكلام في زواج ابنتي؟

لم أُجنّ ولم أعترض، لكني أتأمل كيف نتقبل هذه السنن الكونية أحياناً دون أن نتأمل في أعراضها ونتائجها وآثارها علينا… المفرحة والمحزنة.

إذا تزوجت البنت حزن الأبوان على فراقها عنهم… وإذا لم تتزوج ماتوا من الحزن على بقائها عندهم!

«2»

ثريا… ليست ابنتي البكر فحسب، بل الكبرى. عاشت بيننا منذ طفولتها بوداعة وهدوء، ثم كبرت وأصبحت الأكثر هدوءاً والأقل جدلاً وتطلّباً. عندما ينفتح نقاش عام بيننا، مثلما يحدث في أي بيت، لا ندرك أننا وقعنا في مستنقع الجدال البيزنطي إلا عندما تنسحب ثريا من النقاش بهدوئها المعتاد.

لن أسرف في مديح ابنتي لأنها فارقتنا البارحة إلى عريسها، لكني أيضاً لن أقع في فخ الإنصاف فأنتقدها، فأنا لا آمن أن يقع هذا المقال في يد العريس المبجل!

أحياناً… أحمد الله أني لست أماً، حتى لا أتعذب مثل الأم التي تفتقد ابنتها/ صديقتها بعد الزواج.

وكثيراً… أحمد الله أني شرقي، حيث غالباً ما يبقى الابن حتى بعد زواجه عند أبيه.

المشكلة أنه لا يحين زواج البنت إلا في العام التالي تماماً لتحولّها من مجرد بنت إلى صديقة لأمها!

أما العزاء للأمهات (ولأم ثريا خصوصاً)، فهو أن الصديق ليس هو الذي يسكن عندك، بل الذي يسكن فيك. الصديق هو من يصدق فيه قول المتصوفة: بعيدٌ على قرب… قريبٌ على بعد.

«3»

ثريا… يا ابنتي الغالية، كوني بعيدة… لكن سعيدة. وستبقى محبتك في قلوبنا، سواء ابتعدت زوجة… أو اقتربت، من جديد، أماً «تجددين» لنا الحياة بإذن الله.

وسيبقى نور الثريا في العلياء منيرة.

4 ردود على ثريا

  1. أبو عبدالله، عبدالإله 21 يناير 2010 في 8:23 ص #

    سلام الله عليكم ورحمته .. . أحب أن أقرأ لمن يجيد الكتابة ، وأحب أكثر من يجيد الكتابة عن نوازع النفوس ومنازعها!. نعم ، ربما لا أستطيع رؤية ما تقول عين اليقين لأني لم أعرف معنى أن أكون أبا حق اليقين!.. ولكني حكمت هنا غلبة الظن، وقد فعلت فعلها!. لن أكثر الكلام ،ولكن بقي سطر في مقالكم “وسيبقى نور الثريا في العلياء منيرة” لم يستقم لي التعبير بهذا الشكل ، وكنت في ما أقرأ لكم كلما أحسست بخلل ما تبينت فإذا هو مقصود مع سبق الإصرار والترصد .. فتبينت هنا فاستبان ما لا أجزم به ، ولكني قرأت في سيرتكم الذاتية أنهن أربعة بنات .. وهذه أربع كلمات/أسماء! .. هل استقام الأمر ؟ ربما!

  2. reem 16 يونيو 2010 في 6:38 م #

    m

  3. الصواغ 18 يونيو 2012 في 12:09 ص #

    مقاله روعه وكلها مشاعر الابوه
    والله يهنيها

  4. د.عمر الاندجاني 20 يونيو 2012 في 10:19 ص #

    لا فض قلمك ابا ثريا،،،
    مشاعرابوية عميقة وكانك قد لخصت كل ما في نفوس الاباء والامهات عندما يودعون بناتهم في حياتهم الجديدة…
    ننتظر من الشباب ان يقدروا هذه الامانة وان يعيشوا شعور الوالدين لانهم يوماً ما سيصبحون ربما والد العروس،،
    بورك فيكم

أضف تعليق

* Copy this password:

* Type or paste password here:

31,657 Spam Comments Blocked so far by Spam Free Wordpress