طعم القهوة الافتراضية !

 

قبل عشرين عاماً أو أقل كانوا يحدثوننا عن العالم الافتراضي الذي ستُبنى فيه علاقات وصداقات افتراضية بين أناس لم يتعارفوا أو يتلاقوا في الحياة الحقيقية قط، وأن أصدقاءك لن يكونوا هم فقط الذين تلتقيهم في بيتك أو حارتك أو عملك أو في مقهاك المفضل، بل سيكون لك أصدقاء، من نوع جديد، تعرفهم بأسمائهم وأعمالهم وتتحاور معهم كل يوم عن آرائهم في ما يجري من أحداث حول العالم.

 

 

ليست العلاقة الصارمة والجادة هي التي بينكم فقط، بل وتدردش «تسولف» معهم عن شؤونك الخاصة واهتماماتك الفردية والمواقف التي تعترضك في الآن واللحظة، وتتبادل النكات والمزاح والتعليقات على هذا وذاك من المشاركين بجواركم في هذا (المجلس) الافتراضي! لكن لا تنسوا، فكل هذه العلاقات والمشاعر الودية تحدث بينكم أيها «الأصدقاء» وأنتم لم تلتقوا حقيقةً في حياتكم قط.

 

 

هكذا أجلس وحدي/ منفرداً «مع الجميع» في مجلس وسوق المدينة الافتراضية.

 

 

كنا حينذاك نستخفّ بهذه التنبؤات والخيالات المفرطة في «الوحشية» التي ستؤول إليها علاقات الناس ببعضهم.

 

 

هل يُعقل أن تتم هذه العلاقة (الجنّيّة) بين بني الأنس، فنتحاور مع أشباح وخيالات أصدقاء لم نشاهدهم بأعيننا ولم نلمسهم بأيدينا من قبل؟!

 

 

ها نحن الآن، في مواقع التواصل الاجتماعي، وبالأخص في موقع (واتس آب) الاجتماعي جداً، نجد أنفسنا فجأة وقد انضممنا أو ضُممنا إلى مجموعة تواصلية. أحياناً تكاد لا تعرف نصف أعضائها، بعضهم لم تلتقه في حياتك وآخرون التقيتهم مرة أو مرتين عابرتين، وقلة منهم الأصدقاء الحقيقيون قبل أن يتحولوا إلى أصدقاء افتراضيين.

 

 

والذين لم تلتقهم من قبل من بين هؤلاء الأصدقاء الافتراضيين قد لا توجد مؤشرات تنبئ أنك قد تلتقي بهم وجهاً لوجه يوماً ما، خصوصاً إذا غُمرت المجموعة بأعضاء من مختلف الجهات الجغرافية، فأنت لم تعد تتحدث عن «صديق حارة» أو «بلديّاتي» أو «ابن الوطن». هذه مسميات قديمة تكاد تندثر. أنت تتحاور وتسولف وتمزح الآن مع صديق «إلكتروني» يسكن في دولة أخرى لم يخطر في بالك يوماً أن تزورها، أو يسكن في بلدة نائية وعرة التضاريس ظلّت لسنوات تنتظر وصول شبكة الطرق التي تربطها بالمدن الأخرى وبالآخرين، لكن طرق الشبكة وصلت قبل شبكة الطرق.

 

 

في الـ (واتس آب) فَرَشْنا مجالسنا. أبوابها مفتوحة لمن يريد أن يدخل في أي وقت. قد يجد جميع الأصدقاء فيتحاور معهم في ما حدث قبل قليل، وقد لا يجد أحداً فيعلّق خبره الجديد أو رأيه أو سالفته على (سطح) المجلس ويخرج.

 

 

مفتاح (المجلس) مع مدير «الغروب» (group)، وهو الذي يسمح باستضافة شخص جديد أو استبعاد آخر، وهو لا يستخدم المفتاح سوى مرتين، في افتتاح المجلس لأول مرة ثم في إغلاقه/ هدمه نهائياً. أكبر مشكلة تواجه مدير مجلسنا الإلكتروني حتى الآن هي تقديم القهوة للضيوف، يقال بأن الحل سيتوافر قريباً.

 

 

هل من أحدٍ يستطيع تخيّل طعم (القهوة الافتراضية) من الآن؟!

 

 

إذا أردت الخروج من (المجلس) والذهاب إلى (السوق) في مدينتنا الافتراضية فافتح «تويتر»، هناك ستجد حشود الناس والدكاكين واللغط والهرج والمرج والبيع والشراء والغش والكذب و»المزادات» العلنية و»البضاعة» المنتهية الصلاحية، والبائع الأمين… والبائع الشاطر… والبائع البذيء الذي ينفّر الزبائن من بضاعته لكنهم يكتظّون حول دكانه فُضولاً ليعرفوا أسباب الجلَبة حوله، فيكسب بهذا الشهرة والجماهيرية وعندها لن يُعدم أن يجد بين حشود الزبائن من يغرّر بهم.

 

 

لا تُطلْ الجلوس في (سوق) «تويتر»، لأنك ستتأذّى من الضجيج والمزايدة بين الباعة، والتشاتم أحياناً بين بائع ومشترٍ بسبب تسويقه بضاعة مغشوشة أو فاسدة، وأحياناً يكون البلاء من المشتري المدسوس لتوريط البائع!

 

 

لا تخدعك الأسماء الجذابة في اللوحات المعلقة على (دكاكين) «تويتر». فملحمة الأمانة قد تبيعك لحوم حمير بوصفها لحم خيل، وملابس الحشمة تبيع من تحت الطاولة ملابس عارية وفاضحة، ومطعم المذاق يقدم لك أطباقاً لذيذة لكنها قد تكون متعفنة ومسمومة، ومكتبة الحرية تبيع الكتب المتخصصة في أحدث أساليب القمع.

 

 

يكثر الغش في سوق «تويتر» عند أصحاب الدكاكين الذين يغيّرون «نشاطهم» كل حين!

التعليقات مغلقة