عمِّي الذي رحل 90 عاماً من الأمر بالمعروف والنهي «بالمعروف»!

 

وُلدت فوجدتني في بيتٍ يسكن فيه أبي وعمي معاً.

 

ظللت سنين لا أعرف هل البيت لعبد الله (أبي) أم لعبد المحسن (عمي). الآن، والآن فقط، اكتشفت أن هذا السؤال لم يكن يشغلني. كيف استطاع فضولي الطفولي أن يمرر هذا السؤال «الشهيّ» دون سؤال؟!

لا بد أن قوةً ضاغطة استطاعت أن تكبح هذا الفضول وتسحق هذا السؤال!

تلك هي قوة الأخوّة بين الشقيقين: عبد المحسن وعبد الله، وقوّة التفاهم بين زوجتيهما: سارة ومنيرة، التي ستستطيع بالتالي تحقيق المهمة الصعبة للانسجام بين أولادهما الأطفال المتشاكسين.. في الغالب.

كان توزيع الأدوار، بين أمي يحفظها الله وزوجة عمي يرحمها الله، في الإرشاد أو التوبيخ مسهّلاً لترطيب العلاقة بين الأطفال الذين كانوا في عمر التنافس والتشاكس.

ترعرعنا في ذلك البيت ونحن نتابع الأخوين الكبيرين، يذهب كل منهما إلى عمله ثم قبيل العصر نتناول الغداء، عمي وأبي وأولادهما، كلنا نتحلق حول السفرة الأرضية المستديرة نتنافس على اللحمة ونتعازم على الرز! وفي المساء يُفرش البساط في حوش البيت نستمع إلى مغامرات عمي ورفاقه من رجال الهيئة مع مغازلجية (شارع المتنبي). كان إخوتي الكبار ينصتون إلى الحكاية باهتمام أكثر منا نحن الصغار، بعد أن كبرت عرفت لماذا؟!

لم يكن عمي يتوقف عن سرد المغامرات للكبار ودغدغة جُنوب الصغار إلا عندما تأتي (هنا لندن)، في التاسعة بتوقيت جرينيتش تتعطل كل حواس أبي وعمي إلا حاسة السمع فقط.

بعد مضيّ سنين انتقل عمي وأسرته إلى بيت مستقل. ظننّا أن كيمياء العلاقة ستتغير حتى اكتشفنا بعد مضي مدة من الاستقلال أن السكنى بين الشقيقين وأسرتيهما لم يكن في بيت مشترك بل في روح مشتركة.. استمرت حية حتى اليوم.

ظل عمي يعمل في جهاز (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) لعقود طويلة، ثم ظل لعقود أطول قليلاً يعمل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كان يأمر بالمعروف وينهى بالمعروف أيضاً.. عن المنكرات وترك الصلاة.

كان يذهب من البيت إلى مقر عمله على رجليه ويعود على رجليه وأثناء العمل يذرع الشوارع الموكل بها على رجليه، حتى إذا صدمه دباب «موتورسيكل» قبل 40 عاماً وأضر برأسه ووجهه المتورم لم نتعرف عليه في غرفة الطوارئ إلا من خلال أصابع رجليه المحكوكتين من كثرة المشي!

استمر عمي، ذلك الرجل الهادئ والوديع. حتى في مرضه الذي رحل منه بالأمس لم يكن مرضاً صاخباً، بل ظل على فراشه يذبل بهدوء، والمحبون من حوله لا يقلقهم هذا الذبول الهادئ كأنهم لم يعرفوا أن الورقة ستسقط إذا اكتمل ذبولها؟!

رحل عمي عبد المحسن، عميد أسرة الدريس وشقيق والدي، أمس بعد أن منح حياتنا طراوة وطلاوة ما زال طعم بعضها لاصقاً في جدران البيت وملتصقاً بجدران الذاكرة.

اللهم يا رب اغفر لعمي وارحمه وتجاوز عنه، واجعل أمره بالمعروف لأجلك في الدنيا أمراً منك يا ربّ لملائكتك أن يُدخلوه الجنة بالمعروف.

اللهم وأحسن عزاء أبي – حفظه الله – في فقد شقيقه، وكما جمعتهما على المحبة في الدنيا فاجمعهما تحت محبتك في الآخرة.

التعليقات مغلقة